لم يعد النقاش حول تمويل الأحزاب السياسية شأناً محاسبياً صرفاً، بل تحوّل إلى مدخل مركزي لطرح سؤال الأهلية التدبيرية في الفضاء العمومي.
فالملاحظات التي تضمّنها التقرير السنوي لـ المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024–2025، بخصوص صعوبات تبرير صرف جزء من الدعم العمومي الموجّه للأحزاب، تفتح نقاشاً أعمق يتجاوز حدود الامتثال الشكلي للقانون، ليطال علاقة الحكامة الحزبية بقدرة الفاعل السياسي على تحمّل مسؤولية تدبير الشأن العام بكفاءة ومصداقية.
فمطالبة أربعة عشر حزباً سياسياً بإرجاع ما يفوق 21 مليون درهم إلى خزينة الدولة، بسبب مبالغ غير مستعملة أو غير مبررة، لا يمكن قراءتها كواقعة تقنية معزولة، بل كمؤشر على خلل بنيوي في تدبير الموارد العمومية داخل جزء من الحقل الحزبي.
فالدعم الذي ترصده الدولة للأحزاب، من أموال دافعي الضرائب، لم يُحدث باعتباره امتيازاً دائماً، بل كآلية لتقوية الوساطة السياسية، وتطوير قدرات التأطير، وإنتاج العرض السياسي القادر على الاستجابة لحاجيات المجتمع.
غير أن تكرار ملاحظات المجلس بشأن ضعف تبرير صرف هذه الموارد، رغم توالي التنبيهات، يثير تساؤلات جدية حول مدى ترسّخ ثقافة الحكامة داخل التنظيمات الحزبية.
فحين يتحوّل إرجاع الأموال إلى إجراء لاحق لتدخل الرقابة، بدل أن يكون نتيجة امتثال استباقي للقانون، تصبح المراقبة بلا أثر ردعي فعلي، وتفقد وظيفتها الوقائية.
ويمتد هذا النقاش إلى مسألة التصريح بالممتلكات، حيث يسجّل التقرير امتثالاً كاملاً للمسؤولين الحكوميين والبرلمانيين وكبار المسؤولين.
غير أن هذا الامتثال، في غياب معطيات دقيقة حول آليات الافتحاص والمطابقة والتتبع، يظل مؤشراً شكلياً لا يرقى بالضرورة إلى مستوى الضمانة الفعلية للنزاهة.
فجوهر التصريح لا يكمن في إيداع الوثائق، بل في القدرة المؤسساتية على ربط تطور الثروة بالدخل المشروع، وتفعيل المساءلة عند الاقتضاء.
وتزداد الصورة تعقيداً عند الانتقال إلى فئة الموظفين والأعوان العموميين، حيث يكشف التقرير عن نسب مقلقة لعدم الامتثال لواجب التصريح بالممتلكات، خصوصاً عند نهاية المهام.
فبلوغ نسبة عدم الامتثال 61% في هذا السياق يسلّط الضوء على فجوة واضحة بين النص القانوني والممارسة الإدارية، ويطرح تساؤلات حول فعالية منظومة الزجر والإنذار، خاصة وأن مرحلة مغادرة المنصب تُعد من أكثر اللحظات حساسية فيما يتعلق بتضارب المصالح واستغلال النفوذ.
إن هذه المعطيات، مجتمعة، تفرض إعادة طرح سؤال الأهلية التدبيرية ليس فقط من زاوية احترام المساطر، بل من زاوية القدرة على تحمّل المسؤولية العمومية بمنطق الحكامة والشفافية.
فالحزب الذي يواجه صعوبات في تبرير صرف دعم عمومي محدود ومؤطر قانوناً، يجد نفسه موضوع مساءلة سياسية مشروعة حين يطمح إلى تدبير ميزانيات عمومية معقّدة أو قطاعات استراتيجية.
وفي غياب انتقال حقيقي من منطق الرقابة التوصيفية إلى منطق المساءلة ذات الأثر، يظل خطر اتساع فجوة الثقة قائماً بين الفاعل الحزبي والمجتمع.
ذلك أن الديمقراطية لا تُقاس فقط بانتظام الاستحقاقات، بل أيضاً بقدرة التنظيمات السياسية على تقديم نموذج في الحكامة يبدأ من داخلها، قبل أن يُترجم إلى سياسات عمومية تمس حياة المواطنين.
