كشفت مصادر إعلامية وحقوقية خلال الآونة الأخيرة عن منحى يثير قلقاً متزايداً، يتمثل في توالي قرارات حفظ شكايات فساد سبق أن تقدمت بها جمعيات من المجتمع المدني على امتداد سنوات، ليس بعد تمحيص في الجوهر أو مناقشة الأدلة، بل استناداً إلى مقاربة إجرائية جديدة أفرزها تفعيل المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية، التي نزعت عن الجمعيات صفة التبليغ والانتصاب كطرف مدني في قضايا المال العام.
وتجسد الشكاية التي وضعتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 2021، والتي تقرر حفظها لاحقاً بدعوى “القيد القانوني”، نموذجاً دالاً على ما يمكن وصفه بـ“سيادة التوقيت”؛ حيث يظل السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: ما الذي يفسّر بقاء هذه الشكايات مجمّدة في الرفوف لسنوات طويلة؟ ولماذا لم يُبادر إلى البت فيها عندما كان الإطار القانوني القائم آنذاك يمنح للجمعيات حقاً صريحاً في التبليغ عن جرائم المال العام؟
إن هذا الجمود الإجرائي الممتد لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خلل إداري عابر، بل يكشف عن منطق “تدبير زمني” يجعل من التأخير وسيلة لإفراغ الملفات من مضمونها، في انتظار لحظة تشريعية مواتية تتيح إغلاقها شكلاً.
فنحن أمام وضع تتحول فيه السلطة التقديرية من أداة لتنزيل القانون إلى مجال ملتبس، يُطبّق فيه القانون الجديد بأثر فوري على مراكز قانونية نشأت في ظل نص سابق، بما يثير إشكالاً حقيقياً على مستوى احترام مبدأ الأمن القانوني وروح الفصل السادس من الدستور، الذي يربط سمو القانون بوضوحه واستقراره وتوقع نتائجه.
ويفتح هذا المسار باب التساؤل حول منطق التمييز بين الجرائم؛ إذ كيف يُسمح لكل المواطنين بالتبليغ عن جرائم الحق العام دون قيد، في حين يُفرض “قيد خاص” على جرائم الأموال، وكأن المال العام أقل قدسية، أو كما لو أن ما يُنظر إليها كجرائم ذات طابع نخبوّي تستوجب حصانة مسطرية استثنائية؟ هذا التناقض يضعف منسوب الثقة في العدالة، ويغذي الانطباع بوجود معايير مزدوجة في ولوج القضاء.
ولا يقف الإشكال عند حدوده الوطنية، بل يتجاوزها إلى مستوى الالتزامات الدولية للمغرب، خاصة تلك المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تشدد على ضرورة تعزيز دور المجتمع المدني في الوقاية والتبليغ والمساءلة.
فحرمان الجمعيات من هذا الدور، دون إرساء آليات بديلة مستقلة وفعّالة، لا يمكن اختزاله في مجرد تنظيم إجرائي، بل يعكس تراجعاً عملياً عن فلسفة الشراكة الدستورية التي جعلت من المجتمع المدني فاعلاً في تخليق الحياة العامة، وحوّلته من شريك رقابي إلى متفرج صامت.
إن حصر حق التبليغ في يد جهات رسمية محددة يخلق نوعاً من “المصفاة الإدارية” التي قد تخضع لمنطق الأولويات أو الحسابات البيروقراطية، وهو ما يعني عملياً تجفيف إحدى القنوات الرقابية القليلة القادرة على التقاط ما لا ترصده التقارير الرسمية الجامدة.
فالدولة التي تضيق على المجتمع المدني بدعوى الحد من الشكايات الكيدية، قد تجد نفسها، في المقابل، وقد أغلقت عيناً رقابية كانت ترى ما لا يُرى.
الأخطر في هذا المسار هو كلفته الرمزية على مستوى الثقة العامة؛ فعندما يلاحظ المواطن أن المسطرة القانونية تُستعمل كحاجز صد بدل أن تكون جسراً نحو الحقيقة، يتعزز لديه الشعور بأن الزمن قد يتحول إلى أداة لتقنين الإفلات من المساءلة.
وإذا كانت محاربة الفساد خياراً استراتيجياً معلناً، فإنها لا تستقيم بمساطر تُكافئ الانتظار وتُضيّق قنوات التبليغ، لأن التشريع الرصين لا يُفصّل على إيقاع اللحظة، والدولة الواثقة لا تخشى الشكايات بقدر ما تخشى الصمت.
لقد انتقلنا اليوم من عدالة منفتحة على نبض المجتمع، إلى عدالة محكومة بسقف المسطرة، حيث من يملك مفتاح تحريك الدعوى العمومية، يملك في الآن ذاته القدرة على فرض الصمت.
وبين هذين الخيارين، يبقى الرهان الحقيقي معلقاً على استعادة التوازن بين سلطة القانون وحق المجتمع في الرقابة، قبل أن تتحول الشكايات نهائياً إلى مجرد ملفات في حالة موت سريري.
