دخل واد اللوكوس مرحلة مقلقة من الارتفاع، ومع كل سنتيمتر إضافي في منسوب مياهه، يجد سكان ضفافه أنفسهم في مواجهة وضع يتجاوز قسوة الطبيعة إلى حدود التدبير.
مشهد النزوح الجماعي نحو المناطق المرتفعة، حيث تضطر العائلات إلى مغادرة مساكنها نحو مناطق أكثر أمناً رفقة ماشيتها، في ظروف احترازية صعبة، لا يمكن اختزاله في تقلبات الطقس وحدها، بل يكشف هشاشة الاستجابة العمومية حين تنتقل من النصوص والتصاميم إلى واقع الميدان.
ويبرز هنا، دون مزايدة ولا انفعال، استفهام مقلق: لماذا يبدو التدخل الحكومي في كل مرة مرتبطاً بانتظار «الإشارة من الأعلى» للقيام بما يُفترض أنه من صميم الاختصاصات اليومية؟ فحين تتحرك الآليات وتُفتح مراكز الإيواء عقب توجيهات ملكية مباشرة، يصبح النقاش حول الجاهزية الحكومية الذاتية مشروعاً، وحول ما إذا كان التدخل الاستباقي ممارسة مؤسساتية راسخة، أم مجرد ردّ فعل تفرضه الظروف.
إن هذا النمط من التدبير، القائم على التفاعل بعد وقوع الخطر أكثر من منطق الوقاية، يعكس خللاً بنيوياً في الحكامة الترابية وتنسيق السياسات العمومية.
فالمؤسسات المفترض فيها استشعار المخاطر مسبقاً، وتعبئة الموارد قبل تفاقم الأوضاع، تبدو وكأنها تشتغل بمنطق «الانتظار» بدل المبادرة، ما يترك المواطن في الواجهة الأولى للخطر دون سند مؤسساتي واضح.
ويتعزز هذا الإحساس بالارتباك بغياب تواصل رسمي صريح مع الرأي العام.
فلم يخرج أي مسؤول حكومي، ولا الناطق الرسمي باسم الحكومة، ببلاغ أو تصريح يوضح للساكنة ما إذا كانت المناطق المتضررة مرشحة للتصنيف كـ«مدينة منكوبة»، أو إن كانت هناك إجراءات استثنائية مبرمجة للتعامل مع الوضع.
هذا الصمت يفتح باب تساؤل مشروع: هل يتعلق الأمر بتقييم تقني لم يُحسم بعد، أم أن كلفة القرار وتبعاته المالية والإدارية تظل عاملاً حاضراً في الحسابات؟
وتقود هذه الأسئلة، بطبيعتها، إلى النقاش حول آليات التمويل المخصصة لمواجهة الكوارث.
فأين تذهب الموارد المرصودة للطوارئ؟ وكيف تُفعّل عند الحاجة؟ ولماذا لا تُقدَّم معطيات واضحة للرأي العام حول مسارات صرفها ومعايير استعمالها؟ إن غياب الشفافية والتواصل في هذا الباب يعمّق الإحساس بوجود فجوة بين ما هو مُعلن وما هو مُفعّل، في وقت يُترك فيه المواطن لمواجهة الخطر دون أجوبة دقيقة أو التزامات زمنية واضحة.
وفي مقابل هذا الارتباك المؤسساتي، يجد السكان أنفسهم مجبرين على إخلاء منازلهم استجابة لتوجيهات السلطات، بحثاً عن السلامة في مناطق مرتفعة، دون أن يكون ذلك مصحوباً دائماً بإجراءات مواكبة كافية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المؤقت والحماية الاجتماعية اللازمة.
وهو ما يعيد طرح سؤال الجاهزية الميدانية، وحدود التنسيق بين القرار والإجراء.
إن ما يحدث في اللوكوس لا يمكن اعتباره حادثاً معزولاً، بل نتيجة اختلالات تعميرية وتدبيرية معروفة، تتجدد آثارها مع كل موسم أمطار.
فاستمرار التوسع العمراني في مناطق هشة، وتأخر إنجاز البنيات الوقائية، والاكتفاء بحلول جزئية، كلها عوامل تُحوّل المخاطر الطبيعية إلى أزمات اجتماعية متكررة، يدفع ثمنها السكان البسطاء.
وهكذا، يصبح النزوح نحو المرتفعات تعبيراً رمزياً عن فجوة قائمة بين الخطاب والممارسة، وبين بلاغات الاطمئنان وواقع الميدان.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: هل نحن أمام مؤسسات قادرة على التدبير الاستباقي، أم أمام «إدارة انتظار» لا تتحرك إلا بعد وقوع الضرر؟ وهل تتحول هذه اللحظات الصعبة إلى فرصة لمراجعة جادة تضع الوقاية، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في صلب السياسات العمومية، حمايةً لكرامة المواطن قبل كل اعتبار؟
