في مشهد إداري يختزل فلسفة تدبير النخب السامية في المغرب، يأتي إنهاء مهام نور الدين بنسودة على رأس الخزينة العامة للمملكة كحدث يتجاوز مجرد تغيير في الهيكل التنظيمي لوزارة الاقتصاد والمالية، ليغدو لحظة دالة في ما يمكن تسميته بـ«سيميولوجيا القرار» داخل بنية الدولة.
هذا الانتقال، الذي وُسم بهدوء لافت، تزامن مع تكليف عبد اللطيف العمراني، المدير العام لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، بتدبير شؤون الخزينة العامة بصفة مؤقتة، في خطوة تعكس حرص الدولة على ضمان استمرارية أحد أكثر المرافق العمومية حساسية، بعيداً عن أي ارتباك قد يصاحب عمليات الإعفاء أو التعيين في مواقع القرار المالي.
ورغم الطابع التقني الظاهر لهذا التحول، فإن غياب بلاغ رسمي يوضح طبيعته، سواء تعلق الأمر بإحالة طبيعية على التقاعد أو بإعفاء إداري، يعيد تسليط الضوء على منطق «الصمت المؤسسي» الذي يطبع تدبير انتقالات مسؤولي الصف الأول.
وهو صمت لا يمكن قراءته باعتباره فراغاً تواصلياً، بقدر ما يشكل أداة مقصودة لحماية هيبة المؤسسات، وتفادي تأويل التغيير كإدانة سياسية أو محاسباتية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمسؤول ظل لسنوات جزءاً من «النواة الصلبة» للإدارة المالية المغربية.
وقد أظهرت التجربة الإدارية بالمغرب أن مغادرة منصب حساس لا تعني بالضرورة الخروج من دائرة الاعتماد المؤسساتي، بل غالباً ما تندرج ضمن منطق «التدوير الوظيفي» وإعادة ترتيب الأدوار وفق متطلبات المرحلة.
فمن هذا المنظور، لا تُدار النخب العليا بمنطق السقوط والصعود، بل وفق هندسة هادئة توازن بين الاستمرارية والتجديد، دون الحاجة إلى إحداث صدمات في الرأي العام أو داخل الجهاز الإداري نفسه.
ويُعد نور الدين بنسودة من أبرز الأسماء التي بصمت الإدارة المالية المغربية منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي.
فمن موقعه كمدير عام للضرائب بين سنتي 1999 و2010، أشرف على إصلاحات جبائية عميقة همّت تبسيط النظام الضريبي وإطلاق التحول نحو الإدارة الإلكترونية.
قبل أن يُعيَّن سنة 2010 خازناً عاماً للمملكة بموجب ظهير ملكي، حيث قاد مرحلة وُصفت بمرحلة «التأسيس الرقمي» لتدبير النفقات العمومية.
وخلال ستة عشر عاماً على رأس الخزينة العامة، ارتبط اسم بنسودة بعدد من الأوراش الكبرى، من بينها تعميم الأداء الإلكتروني، إصلاح منظومة الصفقات العمومية، وتعزيز آليات المراقبة المالية، في سياق وطني اتسم بتوسع الاستثمار العمومي وتعقّد مسارات تدبير الميزانية.
وهو ما يجعل مغادرته في سنة 2026 نهاية لمسار مؤسساتي طويل، وبداية لمرحلة تبحث فيها الدولة عن بروفايلات قادرة على تدبير التوازنات المالية في ظل متطلبات «الدولة الاجتماعية» والالتزامات الاقتصادية الدولية للمملكة.
أما اختيار عبد اللطيف العمراني لتولي مهام الخزينة بصفة مؤقتة، وهو القادم من خلفية جمركية تقنية صارمة، فيحمل دلالات تتجاوز البعد الظرفي.
فالجمع بين خبرة إدارة المداخيل (الجمارك) والإشراف المؤقت على تدبير النفقات (الخزينة) يمنح وزارة الاقتصاد والمالية رؤية عرضانية تسمح بضبط الإيقاع المالي خلال المرحلة الانتقالية، قبل الحسم في هوية الخازن العام الجديد.
ويأتي هذا التحول في سياق تُدار فيه التعيينات الاستراتيجية خارج منطق التداول الإداري التقليدي، وضمن هندسة أوسع لإعادة ترتيب مواقع القرار داخل الدولة، بما يضمن الاستمرارية المؤسساتية دون ربط التغيير بالقطيعة أو المحاسبة العلنية.
وفي العمق، يظل سؤال «لماذا الآن؟» حاضراً في أوساط المتابعين، غير أن الإجابة تكمن في طبيعة النموذج التدبيري المغربي الذي يفصل، في كثير من الأحيان، بين «المنصب» و«الثقة المؤسساتية».
فالتغيير يُفهم باعتباره جزءاً من دورة حياة المؤسسة، لا بالضرورة حكماً على مرحلة سابقة أو على الأشخاص الذين أداروها.
هكذا، تنتهي مهمة بنسودة في الخزينة في إطار تحول مؤسساتي هادئ، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية حضوره داخل دوائر القرار، كما جرت العادة في مثل هذه الانتقالات داخل الإدارة العليا للدولة، في انتظار ما ستكشف عنه إعادة تشكيل المشهد الإداري في المرحلة المقبلة.
