لم تكن مداخلة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أمام مجلس المستشارين مجرد عرض اعتيادي لمعطيات قطاعية، بل كشفت عن واقع مقلق يهم تدبير الممتلكات المحجوزة والمصادرة، باعتباره أحد الملفات الدقيقة المرتبطة بحماية المال العام وحسن سير العدالة.
فقد قدّم الوزير أرقاماً ومعطيات تعكس حجم الخسائر التي تكبدتها الدولة على مدى عقود، مشيراً إلى أن الخزينة العمومية لم تستفد منذ سنة 1956 سوى من عائدات بيع شقتين فقط من بين آلاف الممتلكات المصادرة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول نجاعة منظومة التدبير المعتمدة.
وأوضح الوزير أن عدداً كبيراً من المحجوزات يتم الاحتفاظ به في مرائب المحاكم لفترات طويلة، في غياب آليات فعالة للتدبير والتثمين، ما يؤدي إلى تراجع قيمتها أو تلفها. وذكر، في هذا السياق، أمثلة تتعلق بدراجات نارية وهواتف محمولة وساعات يدوية، يتم توصيفها في محاضر المعاينة بعبارات عامة تفتقر إلى الدقة، الأمر الذي يفتح المجال أمام اختلاف التقدير وصعوبة التتبع.
كما أشار إلى حالات تخص مركبات لم يعد منها سوى الهياكل، نتيجة غياب إجراءات واضحة تضمن الحفاظ على مكوناتها إلى حين البت القضائي النهائي.
ولا يقتصر هذا الإشكال، بحسب المعطيات المعروضة، على الممتلكات المنقولة فقط، بل يشمل أيضاً عقارات محفظة وأخرى غير مستغلة، ظلت لسنوات دون أي تصرف أو استثمار، ما يجعلها عرضة لمخاطر الاستغلال غير المشروع أو التفويت في ظروف تفتقر للشفافية، ويضع منظومة حماية الملكية العمومية أمام تحديات حقيقية.
وفي هذا الإطار، طرح وزير العدل مشروع إحداث الوكالة الوطنية لتدبير الممتلكات المحجوزة والمصادرة كآلية مؤسساتية تهدف إلى تنظيم هذا المجال، وتوحيد مساطر التدبير، وتحويل المحجوزات من عبء إداري وقانوني إلى مورد يمكن استثماره وفق قواعد واضحة.
واستحضر الوزير تجارب مقارنة، خاصة في فرنسا، حيث أفضت هذه الآليات إلى تعزيز موارد الدولة، مع تخصيص جزء من العائدات لتعويض الضحايا في قضايا تعذر فيها تنفيذ الغرامات.
غير أن النقاش البرلماني عكس في المقابل تخوفات من تعثر المسار التشريعي لهذا المشروع، في ظل ما يحيط به من إكراهات مؤسساتية وحساسية الملفات التي يمسها.
ويُنظر إلى هذا الورش باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إرساء حكامة فعالة في تدبير المحجوزات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان شفافية أكبر في حماية المال العام، بما يساهم في تعزيز الثقة في عمل المؤسسات القضائية والإدارية.
