تأتي صفقات الأكاديميات الجهوية لاقتناء آلاف السبورات المغناطيسية من الجيل الجديد، بقيمة تتجاوز 35 مليون درهم، لتطرح سؤالاً حارقاً حول فلسفة الأولويات في منظومة تعليمية لا تزال تترنح تحت وطأة تحديات هيكلية معقدة.
إن هذا الإغراق في التفاصيل التقنية، والتشديد على معايير “الإينامل” وصلابة الفولاذ، يوحي وكأن معضلة التعليم في المغرب هي معضلة “أدوات” لا معضلة “رؤية”.
نحن أمام مشهد يعيد إلى الأذهان نقاشات مرحلة “المخطط الاستعجالي”، حين استأثرت الصفقات الديداكتيكية بنصيب وافر من الاعتمادات، بينما ظل السؤال معلقاً حول أثرها الفعلي في الفصول الدراسية.
الجرأة تقتضي أن نقول إن تلميذاً في أقاصي الأطلس أو في هوامش المدن الكبرى لا يتحرر من الأمية الوظيفية بسبورة ذات مواصفات دولية فحسب، بل يحتاج إلى مدرس مستقر نفسياً ومكوَّن بيداغوجياً، وإلى منهج يربطه بواقعه لا بتمثلات نظرية جامدة.
المقارنة هنا لا تعني تكرار السيناريو نفسه، لكنها تستدعي استحضار الدروس حتى لا يتحول الاستثمار في الوسائل إلى بديل عن معالجة جوهر الاختلالات.
مشروع “مؤسسات الريادة”، الذي يُسوَّق اليوم كرافعة للتحديث، يخاطر إن لم يُحط بإصلاحات موازية بأن يُكرّس منطق “تجميل الواجهة” على حساب العمق.
فمن السهل تأثيث الفصول بأحدث السبورات وتوثيقها في تقارير الإنجاز، لكن الأصعب هو ضمان أن تتحول هذه الجزر النموذجية إلى أثر ملموس في نتائج التلاميذ، لا أن تبقى نماذج معزولة داخل منظومة تعاني من خصاص الموارد البشرية واكتظاظ الأقسام في عدة مناطق.
هذا التركيز المبالغ فيه على “الجماد” يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل استُشير الأستاذ، باعتباره المحرك الحقيقي لأي إصلاح، في تحديد أولويات هذا الإنفاق؟ أم أن منطق الصفقات العمومية يظل أحياناً أسرع من منطق النتائج التعليمية؟ إن الاستثمار في التجهيزات يظل خطوة إيجابية، لكنه لا يكتسب معناه الكامل إلا إذا اندمج في رؤية شمولية تعالج التكوين، والحكامة، وتحفيز الموارد البشرية.
إن إنفاق 35 مليون درهم على هذه التجهيزات في سياق أزمة ثقة متواصلة بين الوزارة والشغيلة التعليمية، يجعل الرهان أكبر من مجرد تحديث عتاد.
الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بمدى مقاومة السبورات للخدش، بل بمدى مقاومة المنظومة للهدر المدرسي وتراجع مستوى التعلمات الأساس.
فإذا لم يتحول هذا الإنفاق إلى أثر ملموس في عقول التلاميذ، فسيظل معرضاً لأن يُقرأ كحل تقني لمشكلة ذات طبيعة أعمق.
المدرسة العمومية تحتاج إلى رؤية تعيد الاعتبار للإنسان في قلب العملية التعليمية، لا إلى تحديث شكلي للفضاءات فقط.
فهل نحن أمام “ريادة” قادرة على إحداث تحول حقيقي في جودة التعليم، أم أن التاريخ يعيد طرح أسئلته القديمة بصيغة جديدة على سبورات أكثر لمعاناً؟
