في تطور لافت في مسار أزمة قانون المحاماة، استدعى رئيس الحكومة رئيس جمعية هيئات المحامين إلى لقاء بمقر رئاسة الحكومة، في خطوة تعكس انتقال الملف من مستوى التدبير القطاعي إلى مستوى المعالجة السياسية المباشرة. ولم يكن هذا التحرك مجرد إجراء بروتوكولي لفك حالة الجمود التي تعرفها المحاكم، بل حمل دلالات أعمق تشير إلى أن المقاربة المعتمدة سابقاً في إدارة الخلاف بلغت حدودها العملية.
كشفت مصادر إعلامية متطابقة أن الاجتماع المرتقب يأتي في سياق احتقان متواصل منذ مصادقة مجلس الحكومة بتاريخ 8 يناير 2026 على مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، وهو المشروع الذي يرفضه عدد واسع من المحامين بدعوى مساسه ببعض توازنات المهنة واستقلاليتها.
ورغم أن الحكومة لم تُودع بعد المشروع لدى مكتب مجلس النواب، فإن هذا التأخير، وإن كان لا يشكل خرقاً دستورياً أو تنظيمياً، يثير نقاشاً حول كيفية إدارة الزمن التشريعي في الملفات ذات الحساسية المهنية والمؤسساتية.
لقد سعت الحكومة إلى تمرير المشروع في إطار رؤية إصلاحية تعتبرها ضرورية لتحديث المنظومة، غير أن رد الفعل المهني أظهر أن أي إصلاح في قطاع العدالة يظل رهيناً بقدر معتبر من التوافق والتشاور.
فالإضراب الذي استمر لأسابيع كشف حجم التأثير الذي تمثله المهنة داخل المنظومة القضائية، وأبرز في الوقت ذاته كلفة استمرار التوتر على مستوى سير المحاكم وثقة المتقاضين في نجاعة العدالة.
التأخير في إيداع المشروع لدى البرلمان لا يمكن فصله عن هذا السياق.
فهو يمنح الحكومة هامشاً زمنياً لإعادة تقييم الصيغة المطروحة، خصوصاً أن مناقشته لن تتم قبل انطلاق الدورة الربيعية في أبريل المقبل.
ووفق مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، تملك الحكومة صلاحية سحب أي مشروع قانون في أي مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين إدخال تعديلات جوهرية أو إعادة صياغة المقاربة برمتها، بما يسمح بتجنب مزيد من الاحتقان.
في هذا الإطار، تبدو الأزمة الحالية أكثر من مجرد خلاف مهني حول نص قانوني؛ فهي تعكس نقاشاً أعمق حول موقع المحامي داخل منظومة العدالة وحدود العلاقة بين السلطة التنفيذية والهيئات المهنية. فالمحامون يؤكدون تمسكهم بكونهم شركاء في تحقيق العدالة، بينما ترى الحكومة أن تحديث الإطار القانوني يندرج ضمن رؤية شاملة لإصلاح القطاع، دون المساس بجوهر استقلالية المهنة.
لقاء 11 فبراير يمثل لحظة مفصلية قد ترقى إلى مستوى صلح إذا أفضى إلى صيغة توافقية متوازنة، وقد يظل في حدود هدنة مؤقتة تهدف إلى إدارة التوتر وتفادي إحراج الدورة التشريعية المقبلة.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى الرهان الأكبر هو ضمان استقرار مرفق العدالة وصون الثقة في المؤسسات، في مرحلة دقيقة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة السياسية والتوازن التشريعي.
