بينما كانت هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها تحاول، من خلال منشور رسمي على صفحتها بموقع فايسبوك، تسويق “التحسن الطفيف” في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025 كإنجاز مؤسساتي، سقط خطابها مرة أخرى في فخ التناقض الذي يطبع أداءها منذ سنوات.
فالهيئة، وهي تصف الحصول على 39 نقطة بـ“المؤشر الإيجابي”، تدرك قبل غيرها أن هذا الرقم ليس سوى تحسين شكلي لواقع مرير، حيث لا يزال المغرب يتنفس بصعوبة تحت عتبة الأربعين نقطة، وهي “منطقة الخطر” التي تعني بنيويًا أن الفساد لم يعد مجرد حوادث معزولة، بل أضحى نسقًا مترسخًا يفرض نفسه بقوة داخل البنية العامة للتدبير العمومي.
إن تبرير الهيئة، في المنشور ذاته، بأن هذا التقدم يظل “أقل من تطلعات المواطنين”، لا يمكن قراءته إلا كاعتراف دبلوماسي مبطن بالعجز؛ فهي تشخّص الداء بدقة جراحية، وتفرد له تقارير استراتيجية مطوّلة، لكنها تظل واقفة عند حدود الوصف والتشخيص، عاجزة عن فرض “الدواء المر” على جيوب الفساد المستقوية التي راكمت مناعة سياسية ومؤسساتية تجعلها عصيّة على أي مساءلة فعلية.
المشكلة الحقيقية في خطاب الهيئة، ومعه الرواية الرسمية التي تُسوَّق للرأي العام، هي محاولة الإيحاء بأن “التقدم التقني” في الترتيب الدولي يعكس مجهودًا حقيقيًا في مسار التخليق.
بينما يؤكد الواقع أن الفساد في المغرب قد “تطور جينيًا”؛ فلم يعد يقتصر على رشوة بسيطة داخل مصلحة إدارية، بل أصبح يُدار بعقليات أكثر تعقيدًا، عبر شبكات نفوذ تعرف كيف تفلت من الرقابة الورقية، وتتحرك داخل مناطق رمادية، بل وتؤثر أحيانًا في صياغة القواعد نفسها بما يخدم مصالحها.
بهذا المعنى، تقتات الهيئة على لغة الأرقام لتمنح الانطباع بوجود حركة إلى الأمام، لكنها في العمق تظل مؤسسة تشخيصية محدودة الصلاحيات، في مواجهة لوبيات الريع وتضارب المصالح التي لا تُربكها التقارير السنوية ولا تُقلقها البلاغات الرقمية.
أما التباهي بربح ثماني مراتب في سلم دولي متراجع أصلًا، فلا يعدو أن يكون شكلًا من أشكال “الانتصار الوهمي”، خصوصًا إذا استُحضر أن المغرب، في سنة 2025، ما يزال يحاول استرجاع نقاط خسرها منذ 2018، ما يعني إهدار سبع سنوات كاملة من الزمن الإصلاحي دون تحقيق اختراق نوعي.
هذا الجمود المزمن حول عتبة الأربعين نقطة يكشف بوضوح وجود مقاومة داخلية شرسة لأي إصلاح حقيقي.
فالحديث عن الشفافية يتعايش مع استمرار الغموض الذي يلف ملفات الصفقات العمومية الكبرى، وصناديق الدعم، ومسارات الولوج إلى مناصب المسؤولية.
وكل تحسن لا ينعكس على ثقة المستثمر ولا على كرامة المواطن يظل رقمًا ميتًا، لأن المعيار الحقيقي للنزاهة ليس ما يُكتب في المؤشرات الدولية، بل ما يعيشه الفاعل الاقتصادي حين يجد نفسه مضطرًا لتقديم تنازلات غير معلنة، وما يشعر به الشاب حين يرى الكفاءة تُقصى لصالح منطق المحسوبية.
ودون إرادة سياسية واضحة تكسر جدار الإفلات من العقاب، وتجعل من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسة فعلية تطال مراكز القرار الكبرى قبل الهوامش، ستبقى بلاغات هيئة النزاهة مهما كان منسوبها الرقمي مجرد طقوس تواصلية لتصريف الانتباه، وسيظل المغرب يدور في حلقة مفرغة: ربح رتبة هنا، خسارة نقطة هناك، فيما يبقى جوهر الفساد محصنًا ضد كل أدوات التغيير.
