كشفت مصادر إعلامية متطابقة أن عجز ميزانية الدار البيضاء تجاوز 50 مليار سنتيم، وهو رقم لا يمكن قراءته كـ”وعكة مالية” عابرة، بل كمؤشر مالي ثقيل يطرح تساؤلات جدية حول تدبير كبرى حواضر المغرب.
إن وصول العاصمة الاقتصادية، التي تضخ الملايير في خزينة الدولة وتستقطب كبار المستثمرين، إلى وضعية ضغط مالي مرتبط بأقساط أحكام قضائية وتأخر في تسوية بعض المستحقات الإدارية، يعكس تحديات واضحة في توازنات الميزانية.
فـ”القلب النابض” للمملكة يواجه اليوم معادلة دقيقة، حيث تبتلع تكاليف النقل الحضري والحفاظ على “التسعيرة الاجتماعية” للحافلات والترامواي اعتمادات مهمة تضاعفت مع توسع الشبكة، في وقت ما تزال فيه الجماعة مطالبة بتعزيز نجاعة استخلاص مواردها الجبائية، خاصة داخل أكبر وعاء عقاري وتجاري في المغرب.
الدار البيضاء ليست مدينة محدودة الإمكانات، بل تتوفر على قاعدة اقتصادية واسعة.
غير أن جزءاً من هذه الإمكانات لا ينعكس بالكامل على مستوى الموارد المحصلة، بفعل مساطر استخلاص معقدة وأوعية ضريبية تحتاج إلى تحديث وتحيين مستمرين، وهو ما يحرم الميزانية من مداخيل كان يمكن أن تخفف من حدة العجز وتقلص الحاجة إلى اللجوء إلى القروض.
كما كشفت مصادر إعلامية أن مجلس المدينة يتجه إلى اقتراض نحو 77 مليون درهم لتمويل مشاريع الإنارة العمومية، إضافة إلى البحث عن تمويلات من مؤسسات دولية كالبنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية لمشاريع النقل والتحول الرقمي، في إطار تنويع مصادر التمويل.
هذا التوجه يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام تمويل لاستثمارات منتجة تعزز الجاذبية الاقتصادية للمدينة، أم أن الحاجة إلى الاقتراض ترتبط أيضاً بضبط اختلالات التوازنات المالية على المدى المتوسط؟ إن عجز الـ50 مليار سنتيم ليس مجرد رقم، بل محطة تقييم لنموذج التمويل المحلي؛ فمدينة بهذا الحجم مطالبة بتقديم معطيات دقيقة حول نسب تنفيذ ميزانيتها، وحجم المتأخرات الجبائية، وآليات تحصيلها، وخطط تحسين مواردها الذاتية.
المسألة لا تتعلق بتصفية حسابات سياسية، بل بإعادة النظر في أدوات الحكامة المالية المحلية، حتى لا يتحول الدين إلى أداة دائمة لتغطية فجوات الميزانية.
استمرار الضغط المالي بهذا الحجم قد يؤثر على دور الدار البيضاء كقاطرة للتنمية، ويجعل استدامة مديونيتها رهينة بقدرتها على إصلاح منظومة التحصيل وتعزيز الشفافية المالية.
الجواب اليوم لا يكمن في خطابات الطمأنة، بل في خطوات عملية تعيد التوازن بين حجم المدينة الاقتصادي وقدرتها الفعلية على تمويل خدماتها الأساسية بكفاءة واستدامة.
