بينما تُطالب الدولة المواطن بـ”شد الحزام” وترفع شعار ترشيد النفقات كمدخل لمواجهة الأزمات، تبرز من داخل بعض المؤسسات العمومية مؤشرات مقلقة تضعنا أمام أسئلة عميقة حول جودة التدبير.
فالمعطيات المتعلقة بتحقيقات المجلس الأعلى للحسابات، والتي شملت 13 مؤسسة ومقاولة عمومية بخصوص صفقات ناهزت 70 مليون درهم، تفتح نقاشاً واسعاً حول كيفية تنزيل شعارات “العقلنة” على أرض الواقع.
القصة تبدأ من “كراء السيارات طويل الأمد” (الكراء طويل الأمد.)، الذي سُوّق كخيار يهدف إلى تقليص كلفة الصيانة والاقتناء، غير أن بعض المعطيات المتداولة تثير تساؤلات حول نمط الاستفادة من هذه الصفقات، خصوصاً مع تكرار أسماء شركات بعينها في عدد من العقود طويلة الأمد.
التحقيقات الجارية لا تبحث في مجرد تفاصيل تقنية، بل في مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية، خاصة عندما يتم قبول عروض تفوق المعدل الحسابي بنحو 25 في المائة دون تعليل مفصل مرفق بمحاضر اللجان المختصة.
هذا الفارق السعري لا يمكن اعتباره مجرد هامش تقني، بل يطرح سؤالاً مشروعاً حول معايير الاختيار والتقييم داخل بعض المصالح الإدارية.
فالأصل في الصفقات العمومية هو تكافؤ الفرص وربط القرار بالتعليل المكتوب، لا الاكتفاء بإجراءات شكلية قد تفرغ المسطرة من مضمونها.
ولا يقتصر التدقيق على كراء السيارات، بل يمتد إلى خدمات الحراسة والنظافة والبستنة، حيث تشير بعض الشكايات إلى وجود صعوبات تواجهها مقاولات صغرى في الولوج إلى الطلب العمومي، ما يثير نقاشاً حول مدى انفتاح المنافسة وتكافؤ شروطها.
كما أن امتداد الافتحاص إلى فترة زمنية تقارب عشر سنوات يمنح الملف بعداً هيكلياً، ويدفع إلى مساءلة منظومة الرقابة الداخلية ومدى فعاليتها خلال السنوات الماضية.
إن صدور هذه المعطيات في سياق دخول المرسوم رقم 2.22.431 حيز التنفيذ يضع ورش الصفقات العمومية أمام اختبار حقيقي.
فالحكامة ليست شعاراً سياسياً، بل منظومة متكاملة تقتضي وضوح المعايير، وتعليل القرارات، وضمان الفصل التام بين المصلحة العامة وأي مصلحة خاصة محتملة.
التحقيقات ما تزال جارية، وقرينة البراءة تبقى قاعدة أساسية، غير أن الرهان اليوم يتجاوز تحديد المسؤوليات الفردية إلى سؤال أعمق: هل ستقود هذه الافتحاصات إلى تعزيز الشفافية وبناء مناخ ثقة مستدام بين الإدارة والمقاولة والمواطن؟ أم أنها ستظل محطة عابرة في مسار طويل من الإصلاحات المؤجلة؟
في نهاية المطاف، قوة الدولة لا تقاس فقط بحجم ميزانيتها، بل بقدرتها على ضمان أن كل درهم يُصرف يخضع لمنطق المصلحة العامة وحدها، بعيداً عن أي التباس في الأولويات أو تضارب محتمل في المواقع.
