بعد الخروج من السجن المركزي بالقنيطرة، لم تنته قصة “الهروب الكبير”، بل بدأت مرحلة أكثر تعقيداً، مرحلة المطاردة، والخوف، والتنقل الحذر، ومحاولة الاختفاء داخل بلد تحركت فيه الأجهزة الأمنية بحثاً عن تسعة فارين من ملفات ثقيلة.
حسب الرواية المنسوبة إلى عبد الهادي الذهبي، الملقب بأبي أنس، فإن اللحظات الأولى بعد الابتعاد عن السجن حملت إحساساً غريباً بالحرية، لكنه كان ممزوجاً بالخوف، لأن الفارين لم يكونوا خارج الخطر، بل خرجوا فقط من أسوار السجن إلى مطاردة مفتوحة لا يعرفون أين ستنتهي.
تقول الرواية إن المجموعة، بعد الابتعاد عن محيط السجن، بدأت تتحرك بحذر شديد، قبل أن تتفرق إلى مجموعات صغيرة لتفادي إثارة الانتباه، خصوصاً أن السير جماعة في وقت متأخر، وبشكل غير عادي، كان كافياً لجلب الشكوك وتحريك أول خيط نحوهم.
هنا دخلت القصة مرحلة جديدة، لم يعد النفق هو بطل الحكاية، بل الطريق، والوجوه، والجرائد، والحواجز الأمنية، والعيون التي قد تتعرف عليهم في أي لحظة.
ومن بين أكثر التفاصيل إثارة في هذه المرحلة، ما ترويه الشهادة عن مرور بعض الفارين قرب رجال الدرك، وشرائهم الجرائد، ومطالعة صورهم المنشورة فيها، في مشهد يكشف حجم المفارقة، فارون يقرأون خبر فرارهم، ويرون وجوههم مطبوعة أمام الناس، بينما يحاولون العبور من بين الخطر دون أن يسقطوا في أول كمين.
هذا التفصيل وحده يصلح لقراءة أعمق، لأن المطاردة لا تكون دائماً مطاردة بالسيارات والصفارات فقط، بل تكون أيضاً مطاردة بالصورة، بالوصف، بالخوف الداخلي، وبإحساس دائم بأن أي نظرة عابرة قد تتحول إلى تبليغ.
الرواية تشير كذلك إلى تنقلات شاقة عبر مناطق بعيدة، وإلى محاولة استعمال الجبال والغابات والمسالك الأقل مراقبة لتفادي الحواجز، وهو ما يعكس أن الهروب من السجن لم يكن نهاية المغامرة، بل بداية عزلة قاسية فرضت على الفارين حياة الخفاء والإنهاك والترقب.
لكن كلما اتسعت المسافة عن السجن، اتسعت معها دائرة المخاطر، لأن الخروج من المؤسسة السجنية وضعهم أمام واقع جديد، لا مأوى ثابت، لا هوية آمنة، لا حركة طبيعية، ولا ثقة في أي طريق.
في هذه المرحلة، تحولت الجرائد إلى مرآة للرعب، فالوجوه المنشورة لم تكن مجرد صور، بل كانت إعلاناً بأن البلد كله يعرف أسماءهم وملامحهم، وأن أي خطأ صغير في محطة أو طريق أو حمام عمومي أو سوق قد يكون بداية النهاية.
والمثير أن الرواية تحاول تقديم الفارين كمن كانوا يتحركون بحساب شديد، لكن الحسابات في مثل هذه الظروف لا تصمد طويلاً، لأن المطاردة الطويلة لا تستنزف الجسد فقط، بل تستنزف الأعصاب والقرار والقدرة على الصمت والاختفاء.
لهذا تبدو مرحلة ما بعد الفرار أخطر من لحظة الخروج نفسها، فالنفق كان له بداية ونهاية، أما المطاردة فكانت مفتوحة على كل الاحتمالات، بين الجبال والطرق والجرائد والحواجز الأمنية والخوف من التعرف عليهم.
في هذه الحلقة، تبدأ القصة في فقدان بريق “الهروب الناجح”، لتدخل في منطق آخر، منطق الهارب الذي لا يملك الحرية فعلاً، بل يملك فقط وقتاً مؤقتاً قبل أن تضيق الدائرة.
فالهروب من السجن لا يعني الوصول إلى الأمان، بل قد يعني الدخول إلى سجن أكبر، سجن الخوف والاختباء، حيث تصبح كل خطوة محسوبة، وكل وجه محتمل الخطر، وكل جريدة تذكيراً بأن المطاردة بدأت فعلاً.
الحلقة المقبلة:
وادي سبو والاختباء تحت الأرض… حين تحوّل الهروب إلى حصار بطيء
