بقلم: الباز عبدالإله
سجلت صادرات الطماطم المغربية تراجعاً ملحوظاً خلال موسم 2025-2026، في مؤشر يعكس حجم الضغوط التي يواجهها واحد من أبرز القطاعات الفلاحية الموجهة نحو التصدير.
ووفق معطيات قدمها علي روقي، المسؤول عن ذكاء الأعمال بمؤسسة Morocco Foodex، خلال مؤتمر الطماطم بالمغرب، ونقلها موقع HortiDaily، فقد انخفض حجم صادرات الطماطم المغربية بنسبة 11% مقارنة بالموسم السابق، منتقلاً من 620 ألف طن إلى 549 ألف طن.
ولا يقتصر هذا التراجع على الحجم الإجمالي للصادرات فقط، إذ أظهرت المعطيات ذاتها انخفاض صادرات الطماطم المستديرة بنسبة 15%، وتراجع أصناف أخرى بنسبة 8%، فيما شمل الانخفاض مختلف الأسواق الخارجية، خاصة أوروبا والمملكة المتحدة، حيث بلغت نسبة التراجع 12%.
ويأتي هذا التطور في سياق موسم وُصف بأنه من بين الأصعب بالنسبة للمهنيين، بسبب تداخل عوامل مناخية وإنتاجية ولوجستيكية أثرت على قدرة القطاع على الحفاظ على مستوياته السابقة من التصدير.
فقد تعرضت مناطق إنتاجية لأضرار مرتبطة بالعواصف والرياح القوية، خصوصاً على مستوى البيوت المغطاة، إلى جانب استمرار ضغط بعض الأمراض النباتية، وارتفاع تكاليف مواد الإنتاج، وصعوبات مرتبطة بإعادة تأهيل عدد من الضيعات المتضررة.
وتضع هذه المعطيات قطاع الطماطم المغربي أمام نقاش أوسع من مجرد تراجع موسمي في الصادرات، لأنها تمس نموذجاً فلاحياً يعتمد بدرجة مهمة على القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية، وعلى انتظام الإنتاج، وعلى التحكم في الكلفة والجودة واللوجستيك.
ويُعد المغرب من الفاعلين البارزين في سوق الطماطم الموجهة للتصدير، خاصة نحو أوروبا، حيث استطاع خلال السنوات الماضية تعزيز حضوره داخل سلاسل التزويد الدولية، مستفيداً من خبرة المنتجين، وتطور تقنيات الزراعة المحمية، والقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية.
غير أن تراجع الموسم الأخير يكشف أن هذا الحضور القوي يبقى مرتبطاً بقدرة القطاع على مواجهة تحولات متسارعة، في مقدمتها ندرة الماء، والتقلبات المناخية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتزايد شروط الأسواق الخارجية، إضافة إلى المنافسة المتنامية داخل سلاسل التوريد العالمية.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو تراجع صادرات الطماطم مجرد رقم تجاري، بل إشارة إلى ضرورة مراجعة بعض عناصر السياسة الفلاحية المرتبطة بالاستدامة، وتدبير الموارد المائية، وحماية المنتجين، وضمان التوازن بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الداخلية.
فالقطاع الفلاحي الموجه للتصدير يساهم في توفير العملة الصعبة، وخلق فرص الشغل، وتعزيز صورة المنتوج المغربي في الخارج، لكنه يحتاج في المقابل إلى رؤية أكثر دقة في تدبير المخاطر الجديدة، خصوصاً حين تصبح الظواهر المناخية الحادة عاملاً متكرراً لا ظرفاً استثنائياً.
كما أن الضغط على الإنتاج لا ينعكس فقط على الصادرات، بل قد يمتد أثره إلى السوق الوطنية، سواء من حيث وفرة المنتوج أو مستوى الأسعار، وهو ما يجعل ملف الطماطم جزءاً من نقاش أوسع حول الأمن الغذائي، والقدرة الشرائية، وحكامة سلاسل الإنتاج والتوزيع.
ويطرح هذا الوضع أسئلة عملية أمام الفاعلين العموميين والمهنيين: كيف يمكن حماية المنتجين من الصدمات المناخية؟ وكيف يمكن تخفيف كلفة الإنتاج دون الإضرار بالتنافسية؟ وما حدود التوسع في الزراعات التصديرية في ظل ندرة الموارد المائية؟ وكيف يمكن الحفاظ على الأسواق الخارجية دون خلق ضغط إضافي على السوق الداخلية؟
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الفلاحة التصديرية أو من المكاسب التي راكمها المغرب في هذا المجال، بل يفرض التعامل معها بمنطق التحيين والتقييم المستمر، حتى لا يتحول النجاح التجاري إلى عبء بنيوي في حال غياب التوازن بين الإنتاج، والماء، والسوق، والمستهلك.
إن تراجع صادرات الطماطم المغربية بنسبة 11% خلال موسم واحد لا يكفي وحده لإصدار أحكام نهائية على القطاع، لكنه يفتح نافذة ضرورية للنقاش حول قدرة النموذج الفلاحي المغربي على التكيف مع مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي لم يعد فقط إنتاج المزيد، بل إنتاج ما يكفي، بكلفة معقولة، وبموارد أقل، وبقدرة أكبر على الصمود.
ستظل الطماطم المغربية منتوجاً حاضراً في الأسواق الدولية، لكن قوة هذا الحضور لن تقاس مستقبلاً بعدد الأطنان المصدرة فقط، بل بقدرة السياسة الفلاحية على حماية الماء، ودعم المنتج، وضمان توازن السوق، وتحويل التصدير من مصدر قوة ظرفية إلى نموذج مستدام وقابل للاستمرار.
