بقلم: الباز عبدالإله
تحولت كلمة عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال الندوة الصحفية المخصصة لتقديم عرض مرحلي حول إعداد البرنامج الانتخابي للحزب، إلى مرافعة سياسية مفتوحة حول موقع الحزب، وحدود اختياراته التنظيمية، وطريقته في قراءة المرحلة المقبلة.
لم يكن بن كيران في موقع من يقدّم معطيات تقنية حول برنامج انتخابي فقط، بل بدا حريصاً على تحويل المناسبة إلى منصة دفاع وهجوم في آن واحد، دفاعاً عن حزب خرج مثقلاً من صدمة 2021، وهجوماً على ما يعتبره استهدافاً مبكراً للعدالة والتنمية وقيادته ومنصته الانتخابية قبل أن تكتمل ملامحها النهائية.
ومنذ البداية، حاول الأمين العام للعدالة والتنمية تثبيت مفارقة سياسية لافتة في خطابه، مفادها أن جزءاً واسعاً من النقاش العمومي يظل موجهاً نحو حزب يوجد في المعارضة، أكثر مما يتجه نحو الأحزاب التي تتحمل اليوم مسؤولية التدبير الحكومي.
بهذه الخلفية، قدم بن كيران حزبه باعتباره تنظيماً سياسياً يتحرك، حسب تعبيره، بمنطق “السذاجة والاستقامة”، أي بمنطق المشاركة القانونية والمؤسساتية، لا بمنطق المال أو الوعود أو شبكات النفوذ.
وشدد على أن العدالة والتنمية لا يملك، وفق قوله، حماية من الداخل أو الخارج، ولا أموالاً ولا عهوداً مع أي جهة، معتبراً أن رصيد الحزب الحقيقي يوجد في امتداده داخل المجتمع، وفي علاقة الثقة التي ربطته بالناخبين في مراحل سابقة، لا في القرب من مراكز القوة.
وفي دفاعه عن حصيلة المرحلة الحكومية التي قادها بين 2011 و2017، استعاد بن كيران عدداً من الملفات التي يعتبرها جزءاً من رصيد حزبه، من بينها ترسيخ مباريات التوظيف، والمساهمة الإبرائية، وإصلاح جزء من نظام المقاصة.
ورأى أن تلك القرارات لم تكن سهلة من الناحية السياسية، لكنها ساهمت، في تقديره، في حماية مالية الدولة والحد من أشكال الاستفادة غير المستحقة من المال العمومي، ولو أن الحزب دفع لاحقاً كلفة سياسية باهظة بسبب اختيارات وصفها بالضرورية.
غير أن النقطة الأكثر حساسية في الكلمة ظلت مرتبطة بملف التزكيات وإعداد لوائح الترشيح، حيث حرص بن كيران على تقديم رواية الحزب لما جرى داخلياً، موضحاً أن القيادة اعتمدت على مقترحات القواعد المحلية والجهوية، مع احتفاظ الأمانة العامة بحق الاختيار والإضافة وفق ما تسمح به القوانين الداخلية ومتطلبات الترشيح.
ورفض الأمين العام للعدالة والتنمية تصوير بعض الاعتراضات أو الاستقالات باعتبارها “زلزالاً” داخل الحزب، معتبراً أن العمل السياسي لا يمكن اختزاله في مقعد برلماني، وأن من يلتحق بحزب على أساس المبادئ ينبغي أن يقبل بالتكليف حين يأتي، وبعدم التكليف حين لا يقع عليه الاختيار.
وفي هذا السياق، استحضر بن كيران تجربته الشخصية مع أولى محطات الترشيح داخل الحزب، مشيراً إلى أنه كان، في مرحلة 1997، من بين من ساهموا في اقتراح أسماء للترشح، غير أنه لم يكن هو نفسه ضمن الاختيار المتقدم، بعدما جاء في المرتبة الثالثة ولم تفتح له تلك المحطة باب الترشيح.
ومن خلال هذه الواقعة، أراد بن كيران أن يقول إن التزكية ليست حقاً تلقائياً ولا امتيازاً تنظيمياً، بل تكليف سياسي يخضع للتقدير، ولحسابات المرحلة، ولمنطق الجماعة قبل رغبة الفرد.
كما عاد إلى تجربة لاحقة في دائرة سلا المزرعة، حين اقترح عليه الزبير بنقاسم الترشح، ليخوض تلك المحطة الانتخابية ويدخل البرلمان، مقدماً هذا المسار باعتباره دليلاً على أن السياسة، في تصوره، ليست مطالبة دائمة بالمقعد، بل استعداد لتحمل المسؤولية حين يطلبها التنظيم.
من هنا، بدت الرسالة موجهة إلى الداخل قبل الخارج: العدالة والتنمية، كما أراد بن كيران تصويره، ليس وكالة لتوزيع المقاعد البرلمانية، ولا قاعة انتظار للتزكيات، بل تنظيم سياسي يفترض في أعضائه أن يتحملوا منطق الصبر والانضباط قبل الوصول إلى المؤسسات.
ولم يتوقف بن كيران عند ملف اللوائح، بل خصص جزءاً من كلمته للدفاع عن ترشيح بعض الأسماء القريبة من الحزب أو المنفتحة على خطه السياسي، معتبراً أن السياسة ليست مجرد حضور هادئ داخل التنظيم، بل قدرة على المساهمة العلنية في القضايا الكبرى، وفي مقدمتها، حسب تعبيره، القضية الفلسطينية.
وفي قراءته للوضع السياسي العام، جدد بن كيران تشبثه بمنطق الإصلاح من داخل المؤسسات، رافضاً خيار الانسحاب أو انتظار زوال الاختلالات من تلقاء نفسها، كما رفض في المقابل أي نزوع نحو الفوضى أو المغامرة، مؤكداً أن المغرب يحتاج إلى إصلاح هادئ وصلب، لا إلى قفزات غير محسوبة.
واعتبر أن وجود الاختلالات والفساد لا يعني أن البلد كله قائم على الفساد أو التزوير، مؤكداً أن المغرب دولة مستقرة ومحترمة، لكنها تحتاج، في نظره، إلى سياسيين صالحين ومصلحين، قادرين على الاشتغال من داخل المؤسسات دون أن يفسدوا في الطريق.
وفي أكثر من موضع، وضع بن كيران علاقة المال بالسلطة في قلب النقاش، معتبراً أن اجتماعهما في يد واحدة يطرح إشكالاً سياسياً وأخلاقياً، خصوصاً حين تتحول السياسة من خدمة عمومية إلى وسيلة لتوسيع المصالح والنفوذ.
كما عاد إلى أزمة أضاحي العيد وارتفاع الأسعار، معتبراً أن ما وقع يفتح نقاشاً أوسع حول أثر الريع والاحتكار وضعف التدبير على القدرة الشرائية للمواطنين، ومؤكداً أن العدالة والتنمية لا يعادي الأغنياء ولا رجال الأعمال، لكنه يعارض، حسب قوله، بناء الثروة على الريع والقرب من السلطة والاحتكار والفساد.
وختم بن كيران كلمته بالتأكيد على أن العدالة والتنمية سيواصل طريق المشاركة السياسية والإصلاح التدريجي، معتبراً أنه لا يرى بديلاً آمناً للمغرب خارج هذا المسار، ولا يعتبر الانسحاب من المؤسسات جواباً صالحاً على أعطاب السياسة.
بهذا المعنى، لم تكن كلمة بن كيران مجرد تقديم مرحلي لبرنامج انتخابي، بل محاولة لإعادة بناء السردية السياسية للحزب بعد هزيمة 2021، ورسالة مزدوجة إلى الخصوم وإلى الغاضبين في الداخل الحزبي.
فبين الدفاع عن التزكيات، واستعادة جزء من الحصيلة، والهجوم على منطق الريع، ظهر بن كيران كمن يحاول نقل النقاش من سؤال الأشخاص إلى سؤال المنهج: هل الحزب طريق إلى المقعد، أم امتحان للصبر والانضباط قبل الوصول إلى البرلمان؟
