أعاد تقرير حديث للبنك الدولي حول إعداد المدرسين فتح النقاش حول إحدى الحلقات الدقيقة في إصلاح المدرسة المغربية، وهي جودة التكوين الذي يتلقاه الأستاذ قبل انتقاله إلى القسم.
ففي الدراسة العالمية الحديثة الصادرة عن البنك الدولي بعنوان “From Prospective to Prepared Teacher”، والتي أعلن البنك الدولي تخصيص حدث لإطلاقها عالمياً اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026، يحضر المغرب ضمن الحالات التي تناولها التقرير من زاوية سياسات إعداد المدرسين، وجاذبية المهنة، وآليات الانتقاء، وقدرة منظومة التكوين على وصل المعرفة الجامعية بالممارسة التربوية داخل المؤسسات التعليمية.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها في سياق وطني يضع جودة التعلمات في قلب إصلاح التعليم، بعدما ظل النقاش العمومي، لسنوات طويلة، مشدوداً إلى توسيع الولوج، وتحسين البنيات، ومراجعة البرامج والمناهج.
غير أن الوثيقة تعيد ترتيب الأولويات من مدخل أكثر عمقاً: لا يمكن لأي إصلاح تربوي أن يبلغ أثره الكامل إذا لم يكن المدرس، تكويناً واختياراً ومواكبة، في مركز هندسته العملية.
فالمدرس ليس مجرد منفذ للمقرر، ولا حلقة إجرائية داخل سلسلة الإصلاح، بل هو الوسيط الحاسم بين السياسة التعليمية ونتائجها الفعلية داخل القسم.
يشير البنك الدولي، في دراسة حالة المغرب، إلى أن المملكة انتقلت، بعد سنوات من التركيز على تعميم الولوج إلى التعليم، نحو جعل الجودة في صلب الإصلاح، مع إدراج سياسات المدرسين ومهنتهم ضمن أولويات هذا التحول.
وتعرض الوثيقة مساراً بدأ بإحداث المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين سنة 2012، ثم إدخال مسلك الإجازة في التربية سنة 2018، في محاولة للانتقال من تكوين قصير ومجزأ إلى نموذج أطول وأكثر مهنية.
وحسب البنك الدولي، وسّع النموذج الجديد مسار إعداد الأستاذ من سنتين إلى خمس سنوات، وجعل التكوين المهني والتربوي جزءاً مبكراً من مسار الطالب، بدل حصر الإعداد العملي في المرحلة الأخيرة قبل الالتحاق بالقسم.
ولا يقتصر هذا المسار على مواد التخصص، بل يشمل علوم التربية، والبيداغوجيا، والديداكتيك، وعلم النفس النمائي، والتواصل، والمهارات الرقمية، والتنمية الشخصية.
وفي سنة 2023، أُضيفت وحدة تتيح للطلبة الاحتكاك المبكر بالمؤسسات التعليمية، من خلال حضور ميداني داخل المدارس العمومية ابتداءً من الفصل الأول، بمعدل أربع ساعات أسبوعياً.
بهذا المعنى، يحاول الإصلاح أن يجعل القسم جزءاً من تكوين الأستاذ منذ البداية، لا فضاءً يكتشفه بعد التخرج.
غير أن قيمة السياسة العمومية لا تقاس فقط بجودة تصميمها، بل بقدرتها على تحويل التصور إلى ممارسة مستقرة ومنسجمة.
في هذا السياق، يورد البنك الدولي معطى لافتاً يتمثل في استفادة طلبة مسلك الإجازة في التربية من منحة شهرية قدرها 1000 درهم، مقابل مشاركتهم في برنامج ميداني داخل المدارس، في خطوة تهدف إلى تعزيز جاذبية المهنة، خصوصاً بالنسبة للطلبة القادمين من أوساط اجتماعية محدودة أو من مناطق بعيدة.
كما يشير التقرير إلى اتفاقية ثلاثية وُقعت سنة 2022 بين وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي ووزارة الاقتصاد والمالية، بغلاف مالي يبلغ 4 مليارات درهم على مدى خمس سنوات، بهدف توسيع الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التكوين، وجعل مسلك الإجازة في التربية المسار الرئيسي نحو مهنة التدريس.
وتعكس الأرقام حجم الرهان الموضوع على هذا المسلك.
فعدد المقبولين في الإجازة في التربية انتقل، وفق الوثيقة، من 3114 طالباً خلال موسم 2021-2022، إلى 10119 طالباً في موسم 2022-2023، ثم إلى 16804 خلال موسم 2023-2024.
والطموح المعلن هو أن يشكل خريجو هذا المسلك 80 في المائة من خريجي المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بحلول سنة 2028.
غير أن هذا التوسع، على أهميته، لا يكفي وحده لإغلاق أسئلة الجودة والوضوح المؤسسي.
فرغم الاستثمار في هذا المسار، ما زال مسلك الإجازة في التربية غير إلزامي للولوج إلى مهنة التدريس، إذ يمكن لحاملي إجازات أخرى أن يلتحقوا بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.
هنا تبرز إحدى مفارقات الإصلاح.
تستثمر الدولة في مسلك خاص لتكوين المدرس، تمنحه دعماً مالياً، وتربطه بتجارب ميدانية داخل المؤسسات، وتقدمه باعتباره طريقاً مهنياً نحو التدريس، لكنها لم تمنحه بعد موقعاً حاسماً داخل منظومة الولوج إلى المهنة.
فطالب يقضي ثلاث سنوات في مسار موجه للتدريس يجد نفسه، في النهاية، أمام مباراة مفتوحة أيضاً أمام حاملي إجازات أخرى، بما يجعل العلاقة بين التكوين المتخصص والأفق المهني أقل وضوحاً مما تتطلبه مهنة بهذه الحساسية.
ولا يتعلق الأمر بالدفاع عن مسار ضد آخر، أو بإغلاق المهنة أمام كفاءات آتية من تخصصات مختلفة، بل بالحاجة إلى سياسة عمومية أوضح في تكوين المدرسين، تحدد موقع هذا المسلك داخل هندسة الانتقاء والتوظيف والتكوين.
وتشير الدراسة إلى أن خريجي مسلك الإجازة في التربية يحققون نتائج أفضل في الولوج إلى المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.
فقد بلغت نسبة قبولهم سنة 2023 حوالي 39 في المائة في التعليم الابتدائي و54 في المائة في التعليم الثانوي، مقابل نسب قبول عامة بلغت 10.5 في المائة و14.1 في المائة على التوالي.
كما توضح الوثيقة أن حاملي هذه الإجازة كانوا أكثر حظاً في القبول بـ2.4 مرات في الابتدائي و2.8 مرات في الثانوي مقارنة بحاملي إجازات أخرى.
هذا المعطى يعزز فرضية أن التكوين القبلي المتخصص يمنح المرشحين أفضلية واضحة، لكنه يفتح سؤالاً أكثر عمقاً: إذا كان هذا المسار يثبت نجاعة نسبية، فلماذا لا يُعاد ترتيب منظومة الولوج إلى المهنة بما ينسجم مع نتائجه؟
وتكشف الدراسة عن تحديات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفاصيل تقنية عابرة، من بينها توقيت مباريات الولوج، وضعف بعض آليات الانتقاء، والضغط على البنيات بسبب التوسع السريع، ومخاوف الطلبة من محدودية الآفاق المهنية، وضبابية المستقبل بعد سنوات من التكوين المتخصص، إضافة إلى إشكالات التنسيق بين المتدخلين.
هذه العناصر تمس جوهر الإصلاح، لأنها تحدد ما إذا كان التكوين الجديد سيصبح رافعة فعلية لجودة المدرسة، أم سيضاف إلى قائمة المبادرات الجيدة التي تتعثر عند عتبة التنفيذ.
فالمدرس لا يُصنع بالعدد وحده، ولا بالدعم المالي وحده، بل بمنظومة متكاملة تقوم على انتقاء منصف، وتكوين عميق، وتدريب ميداني مؤطر، ومواكبة مهنية مستمرة، ومسار وظيفي يمنح معنى واضحاً للاختيار المهني منذ بدايته.
ما يضعه البنك الدولي تحت المجهر ليس شأناً قطاعياً محدوداً.
إنه سؤال يرتبط بجودة الدولة الاجتماعية نفسها، لأن المدرسة هي المجال الذي تلتقي فيه السياسات العمومية بنتائجها الأكثر ملموسية داخل حياة الأسر والأجيال.
كل إصلاح تعليمي يبدأ، في النهاية، من شخص يقف أمام التلاميذ، ويحاول أن يحول المقرر إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة على الفهم، والقسم إلى فضاء للثقة والتعلم.
وإذا لم يتلق هذا الشخص تكويناً كافياً، وتأطيراً مهنياً مستمراً، وطمأنينة واضحة في مساره المهني، فإن أفضل التصورات الإصلاحية ستظل معرضة لفقدان أثرها عند لحظة التطبيق.
ما تلمح إليه دراسة البنك الدولي، بهدوء تقني ودون أحكام قطعية، هو أن العناية بالمدرس ينبغي أن تنتقل من موقع البند داخل الإصلاح إلى موقع المركز في هندسته.
فالمدرس ليس ملحقاً بالمدرسة.
إنه شرطها الأول.
ومن دون تكوين جيد لهذا الشرط، سيظل إصلاح التعليم متقدماً في النصوص، وأقل قدرة على إحداث التحول العميق داخل القسم.
