لم تعد موجة الانتقادات التي تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي مجرد “غضب موسمي” مرتبط بعمل درامي أو برنامج بعينه، بل تحولت إلى محاكمة رمزية لمنظومة كاملة.
فالمسألة لم تعد ذوقاً فنياً مختلفاً، بل سؤالاً مباشراً حول كيفية تدبير المال العام داخل قطاع يفترض أن يكون واجهة ثقافية للدولة لا مجرد مساحة لملء الفراغ البرامجي.
المواطن اليوم لا يحتج لأنه لم تعجبه حلقة، بل لأنه يشعر بأن مساهمته المالية المباشرة وغير المباشرة لا تنعكس في محتوى يليق بذكائه وتطلعاته.
حين يشعر الجمهور أن أمواله لا تُستثمر في محتوى يليق، يتحول النقد من تعليق عابر إلى أزمة ثقة.
وهنا يبدأ النقاش الحقيقي: من يحدد سقف الجودة؟ ومن يراقب أثر ما يُنتج؟
القنوات العمومية مطالبة، بحكم طبيعتها، بأن تكون أكثر من مجرد فاعل في سوق الترفيه.
هي مؤسسة خدمة عمومية، تتلقى دعماً مالياً باسم المجتمع، ما يجعلها خاضعة لمعيار مضاعف: معيار الإبداع ومعيار الحكامة.
غير أن تكرار نفس الصيغ، ونفس الوجوه، ونفس القوالب السردية، خلق انطباعاً واسعاً بأن دورة الإنتاج لا تُبنى دائماً على التنافس المفتوح، بل على منطق الاستمرارية المريحة.
الجرأة هنا لا تكمن في وصف عمل بالضعف، بل في مساءلة بنية الاختيار نفسها.
هل تخضع المشاريع لمنافسة حقيقية قائمة على قوة النص والطرح؟ أم أن لجان الانتقاء تشتغل بمنطق تقني ضيق لا يعكس التحولات العميقة في ذوق الجمهور؟ في زمن المنصات العالمية، لم يعد المشاهد المغربي منعزلاً، بل يقارن ويقيس ويُحاكم الجودة بمعايير دولية. وعندما يجد الفارق كبيراً، يصبح السؤال مشروعاً.
الاستناد المتكرر إلى نسب المشاهدة لم يعد كافياً كحجة دفاعية. فالمتابعة لا تعني الرضا، والفضول لا يعني القناعة.
كثير من المشاهدات اليوم تُبنى على المقارنة الساخرة أو المتابعة العابرة، لا على الانخراط الحقيقي في العمل الفني.
الإعلام العمومي لا يمكن أن يختزل نجاحه في رقم، بل في أثر ثقافي مستدام.
الحملة الرقمية الحالية تعكس وعياً جديداً لدى الجمهور: وعي لا يكتفي بالاستهلاك، بل يطالب بالشفافية.
الشفافية في معايير الدعم، في مساطر الانتقاء، في تقييم النتائج. لأن الدعم العمومي ليس منحة بلا شروط، بل مسؤولية مضاعفة.
وكل درهم يُصرف باسم الثقافة يجب أن يخضع لسؤال القيمة.
استمرار الفجوة بين تطور الجمهور وتطور البرمجة قد يقود إلى أزمة أعمق من مجرد جدل موسمي.
فالإعلام العمومي، إذا لم يراجع أولوياته، قد يجد نفسه خارج زمنه. والرهان اليوم ليس فقط إنتاج مسلسل ناجح، بل استعادة الثقة في مؤسسة يُفترض أن تعكس طموح مجتمع كامل، لا أن تكتفي بإعادة تدوير نفس القوالب.
النقاش لم يعد حول عمل هنا أو برنامج هناك، بل حول فلسفة إنتاج كاملة: هل نحن أمام إعلام عمومي يصنع القيمة، أم أمام منظومة تكتفي بتسيير الزمن البرامجي بأقل قدر من المخاطرة؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه “وليمة الرداءة”، والذي لن يسقط بالتقادم الرقمي.
