بقلم: الباز عبدالإله
في لحظة تتزايد فيها الضغوط المناخية على القطاع الفلاحي، وتشتد فيها أسئلة الماء والتربة والإنتاجية، تعود الفلاحة المغربية إلى واجهة النقاش من زاوية أكثر قرباً من الواقع؛ ليست زاوية المخططات الكبرى ولا البلاغات الرسمية، بل زاوية الحقل نفسه، حيث تُختبر السياسات العمومية في تفاصيل الضيعة، وفي قدرة الفلاح على تحويل خطاب الاستدامة إلى ممارسة يومية قابلة للقياس.
دراسة علمية قُبلت للنشر في مجلة Frontiers in Sustainable Food Systems بتاريخ 31 ماي 2026، أعادت فتح هذا النقاش من مدخل الأداء الزراعي الإيكولوجي في خمس جهات مغربية، معتمدة على عينة من 199 ضيعة فلاحية جرى مسحها بين دجنبر 2025 وفبراير 2026.
أهمية الدراسة لا تكمن فقط في أرقامها، بل في طبيعة السؤال الذي تضعه أمام السياسات الفلاحية: إلى أي حد استطاع التحول الفلاحي في المغرب أن ينتقل من مستوى الاستراتيجية إلى مستوى الممارسة داخل الحقول؟
الدراسة، المتاحة على منصة Frontiers قبل صدور نسختها النهائية المنسقة، تحمل عنوان Assessing Agroecological Performance across five Moroccan Regions using The Tool for Agroecology Performance Evaluation and the Main Agroecological Structure Index، وتركز على تقييم الأداء الزراعي الإيكولوجي في جهات بني ملال خنيفرة، الدار البيضاء سطات، فاس مكناس، الرباط سلا القنيطرة، وسوس ماسة.
واعتمدت الدراسة على أداتي TAPE وMAS لقياس مستوى التحول الزراعي الإيكولوجي داخل الضيعات وفي محيطها المجالي، بما يسمح بقراءة أكثر دقة للعلاقة بين الخطاب البيئي والممارسة الفلاحية اليومية.
النتيجة، كما تعرضها الدراسة، لا تمنح كثيراً من الراحة للخطاب الأخضر.
فقد ظل الأداء العام ضعيفاً، إذ تراوحت نتائج مؤشر TAPE بين 20.7 في المائة و47.9 في المائة، بمتوسط لا يتجاوز 27.7 في المائة، وهو رقم يضع التحول الإيكولوجي في موقع لا يسمح بالتصفيق السريع، ولا بالارتياح الإداري المعتاد.
غير أن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة للفلاح.
فالفلاح، في هذه القصة، ليس خصماً للبيئة، بل هو في الغالب أول من يتلقى ضربات الجفاف وارتفاع الكلفة وضعف التأطير وصعوبة الوصول إلى المعرفة والتمويل والتنظيم.
السؤال الحقيقي يتجه نحو السياسات العمومية، ونحو قدرة البرامج الفلاحية على النزول من لغة الاستراتيجيات إلى تفاصيل الضيعة، حيث لا تنبت الاستدامة بالشعارات، ولا يكفي أن تُرفع كلمة “أخضر” فوق مخطط حتى يصبح الحقل أكثر قدرة على الصمود.
وقد سجلت الدراسة تفاوتاً واضحاً بين الجهات، إذ ظهرت فاس مكناس وبني ملال خنيفرة بنتائج أفضل نسبياً، بينما جاءت سوس ماسة في وضع متوسط، في حين سجلت الرباط سلا القنيطرة والدار البيضاء سطات نتائج أضعف.
هذا التفاوت يفتح نقاشاً أوسع حول العدالة المجالية في التحول الفلاحي، وحول قدرة الجهات على الاستفادة من التأطير والابتكار والبنيات والمواكبة بنفس الإيقاع.
فلاحة المغرب ليست كتلة واحدة، ولا يمكن قراءتها بمنطق إداري موحد.
هناك مناطق تعيش ضغط الماء أكثر من غيرها، ومناطق ترتبط بسلاسل إنتاج موجهة للسوق، ومناطق يتحرك فيها الفلاح الصغير داخل هامش ضيق بين كلفة البذور وثمن الطاقة وتذبذب التسويق وانتظار المطر.
والأكثر دلالة في الدراسة أن نقاط القوة لم تظهر أساساً في الجوانب التي تحتاج إلى حكامة مؤسساتية معقدة، بل في الثقافة والتقاليد الغذائية، والتنوع، والكفاءة، والقيم الإنسانية والاجتماعية.
بمعنى آخر، ما يزال في الحقل المغربي رصيد محلي مهم، مبني على المعرفة التقليدية، وعلى بعض أشكال التنوع والتكيف، وعلى روابط اجتماعية لم تنقطع كلياً رغم ضغط السوق وتغير المناخ.
لكن نقاط الضعف ظهرت في الاقتصاد الدائري، وتبادل المعرفة، والحكامة المسؤولة، والقدرة على الصمود.
وهنا يطل السؤال السياسي من بين السنابل.
إذا كانت الحلقات الأضعف مرتبطة بالحكامة والمعرفة والتنظيم والصمود، فهذا يعني أن الخلل لا يوجد فقط في الممارسة الفردية للفلاح، بل في منظومة المواكبة برمتها.
الفلاحة الإيكولوجية لا تُبنى بتقنيات جديدة فقط، بل تحتاج إلى شبكات معرفة، وتعاونيات قوية، وتوجيه ميداني، وتمويل مناسب، وقرارات عمومية تفهم أن الفلاح الصغير لا يستطيع الانتقال وحده من فلاحة البقاء إلى فلاحة الاستدامة.
والمفارقة أن المغرب يملك خطاباً فلاحياً طموحاً، ويملك برامج واستراتيجيات تحمل عناوين كبيرة، من المغرب الأخضر إلى الجيل الأخضر، غير أن الدراسة تذكر بأن الانتقال الحقيقي لا يقاس بحجم العنوان، بل بما يتغير داخل الضيعة.
فالسؤال لم يعد هل نملك استراتيجية، بل هل صار الفلاح أكثر قدرة على تدبير الماء، وهل تحسنت خصوبة التربة، وهل توسعت الممارسات التي تقلل الهدر وتعزز التدوير، وهل صارت المعرفة العلمية تصل إلى الحقل في وقتها، وهل تحول التنظيم المهني إلى رافعة فعلية لا إلى واجهة أنيقة لاجتماعات عابرة.
هذه الأسئلة لا تهاجم أحداً، لكنها تضع الملف في مكانه الطبيعي.
فحين تصبح الفلاحة أمام ضغط المناخ والماء والأسعار، لا يعود الحديث عن التحول الإيكولوجي ترفاً نخبوياً أو لغة مؤتمرات، بل يصير سؤال أمن غذائي، وسؤال عدالة مجالية، وسؤال قدرة الدولة على حماية الفلاح والمستهلك معاً.
وتذهب الدراسة أبعد من التشخيص، حين تشير إلى أن انتقال المغرب نحو زراعة إيكولوجية يحتاج إلى دعم متكامل لتنويع الضيعات، وتقوية الربط الإيكولوجي داخل المجال، وتنظيم الفلاحين، وتبادل المعرفة بشكل تشاركي، وتحسين الحكامة الترابية.
وبلغة أقل أكاديمية، يحتاج الحقل إلى سياسة عمومية تمشي على قدمين؛ قدم في المختبر والمؤسسة، وقدم في الضيعة والسوق والماء.
أما أن يُبنى خطاب أخضر في الأعلى، ويُترك الفلاح في الأسفل يفاوض الجفاف وحده، فذلك يجعل التحول الإيكولوجي يمشي بساق واحدة، وقد يتعب قبل أن يصل.
اليوم، لا تكشف الدراسة فضيحة، لكنها تكشف مفارقة هادئة وعميقة.
بلد يملك طموحاً فلاحياً كبيراً، لكنه يحتاج إلى تحويل هذا الطموح إلى ممارسة يومية قابلة للقياس داخل الحقول.
فالفلاحة الخضراء ليست لوناً في وثيقة، ولا عبارة جميلة في استراتيجية.
إنها اختبار يومي في الماء، والتربة، والمعرفة، والتنظيم، وقدرة الفلاح على الصمود.
وحين يُطلب من الفلاح أن يكون منتجاً، ومقاوماً للجفاف، وحارساً للبيئة، ومتحملاً لقسوة السوق في الوقت نفسه، يصبح السؤال الحقيقي ليس عن وعي الفلاح فقط، بل عن سياسة عمومية تعرف الطريق إلى الحقل، لا فقط إلى المنصة.
