لم يعد ملف المتقاعدين شأناً اجتماعياً هامشياً يمكن تأجيله إلى جولات لاحقة من الحوار الاجتماعي، ولا رقماً صامتاً في جداول التوازنات المالية.
إنه اليوم سؤال كرامة لفئة أفنت سنوات طويلة في خدمة المدرسة العمومية، وبناء الأجيال، وحماية واحدة من أهم وظائف الدولة الحديثة: التربية والتعليم.
في هذا السياق، عبّرت رابطة الأساتذة المتقاعدين عن عميق استيائها من مخرجات الحوار الاجتماعي الأخير، معتبرة أنه لم يُعر اهتماماً لمطالب المتقاعدات والمتقاعدين، وكرّس، مرة أخرى، نهج الإقصاء والتهميش الذي ظل يطبع التعاطي مع هذه الفئة منذ القرن الماضي.
النداء الصادر عن الرابطة، والموقّع من طرف منسق اللجنة التحضيرية عبد العالي العمراني، يضع الملف في قلب مفارقة اجتماعية صارخة.
ففي الوقت الذي استفاد فيه الموظفون المزاولون من زيادات متعددة عبر مراحل مختلفة، بقيت معاشات شريحة واسعة من المتقاعدين جامدة، بينما ارتفعت تكاليف المعيشة، وتضاعفت أعباء العلاج، وتحوّل الدخل القار إلى دخل عاجز عن مجاراة الأسعار.
هذا التجميد، وفق مضمون النداء، لم يعد مجرد خلل إداري أو تفصيل مالي، بل أصبح عاملاً مباشراً في تراجع القدرة الشرائية لفئة من المواطنين الذين قضوا عمرهم المهني داخل المؤسسات العمومية، ثم وجدوا أنفسهم بعد التقاعد أمام معادلة قاسية: معاش محدود، وأسعار مرتفعة، وصحة تحتاج إلى رعاية مكلفة.
وتطالب رابطة الأساتذة المتقاعدين بزيادة فورية صافية في المعاشات لا تقل عن 2000 درهم، باعتبارها إجراء استعجالياً لجبر الضرر وضمان حد أدنى من الحياة الكريمة.
كما دعت إلى تمكين الأرامل من الاحتفاظ بكامل المعاش، في مطلب يحمل بعداً اجتماعياً وإنسانياً واضحاً، خصوصاً أن فقدان جزء من المعاش بعد وفاة الزوج أو الزوجة قد يدفع أسراً بكاملها نحو الهشاشة.
ولم تقف مطالب الرابطة عند الجانب المالي فقط، بل شددت على ضرورة تعديل القانون 44-2 وتفعيله بأثر رجعي، بما يسمح بربط المعاشات بنسبة التضخم وبالزيادات التي تطرأ على رواتب الموظفين المزاولين.
وهنا يظهر جوهر النقاش: هل يمكن أن تبقى المعاشات معزولة عن حركة الأسعار وعن التحولات التي تعرفها الأجور، أم أن العدالة الاجتماعية تقتضي آلية واضحة تضمن عدم تآكلها مع مرور السنوات.
وفي الجانب الصحي والاجتماعي، دعت الرابطة إلى مأسسة منظومة رعاية أكثر إنصافاً للمتقاعدين، من خلال تفعيل شراكات استراتيجية مع المصحات والصيدليات، والرفع من نسب التعويض عن الأدوية والتكاليف العلاجية.
فالشيخوخة ليست رقماً في بطاقة التعريف، بل مرحلة ترتفع فيها الحاجة إلى العلاج والمتابعة الطبية، ما يجعل ضعف التغطية أو محدودية التعويض سبباً إضافياً في إنهاك المتقاعدين وأسرهم.
كما طالبت الرابطة بإقرار نظام امتيازات تفضيلية يهم النقل، والإيواء، والسياحة الداخلية، وتيسير الولوج إلى المرافق العمومية، في تصور يحاول إعادة الاعتبار لفئة أعطت سنواتها للدولة والمجتمع، وتنتظر في المقابل اعترافاً عملياً لا يقتصر على الخطابات الموسمية.
أما على مستوى الحوار الاجتماعي، فقد شددت الرابطة على ضرورة إشراك ممثلي المتقاعدين كطرف رئيسي في جولات الحوار، معتبرة أن من غير المنصف تغييب صوت فئة لها وزن ديمغرافي واجتماعي عن فضاءات القرار.
فالحديث عن إصلاح التقاعد أو تحسين الحماية الاجتماعية دون حضور المعنيين المباشرين يفتح الباب أمام سياسات تُصاغ باسمهم، لكن من دون أن يسمع صوتهم داخل طاولة النقاش.
ويحمل النداء في ختامه دعوة إلى المتقاعدات والمتقاعدين من أجل رص الصفوف، وتقوية الترافع المنظم، والالتفاف حول إطارهم المهني والاجتماعي، بما يضمن حضوراً واضحاً لصوتهم في النقاش العمومي والمؤسساتي.
إنه نداء يتجاوز مطلب الزيادة في المعاش، ليطرح سؤالاً أوسع حول مكانة المتقاعد في السياسات العمومية.
فالمتقاعد ليس عبئاً على الميزانية، بل ذاكرة مهنية، ورصيد اجتماعي، وجزء من تاريخ الإدارة والمدرسة والمؤسسات.
وحين يُترك هذا الرصيد المهني والإنساني على هامش الإنصات، فإن الأمر لا يخص المتقاعدين وحدهم، بل يلامس معنى الوفاء العمومي لمن حملوا، بصمت ومسؤولية، عبء التربية وبناء الأجيال.
