لا تُقاس قوة الاقتصاد الزراعي بعدد الأطنان المصدَّرة، بل بقدرته على إطعام مواطنيه دون التفريط في موارده الاستراتيجية.
هنا تحديداً يتشكل السؤال كلما احتفت الأرقام بإنجازات التصدير، بينما تتصاعد حساسية الأسعار في الأسواق المحلية.
سجّل المغرب سنة 2025 رقماً لافتاً في تجارته الزراعية: 141.51 مليون يورو من صادرات الطماطم نحو إسبانيا، بمتوسط سعر بلغ 1.62 يورو للكيلوغرام، وهو الأعلى بين كبار الموردين.
تبدو الصورة، للوهلة الأولى، انتقالاً ناجحاً من منافسة على الكمية إلى تموضع محسوب داخل فئة القيمة المرتفعة في السوق الأوروبية.
غير أن الأرقام، مهما بلغت جاذبيتها، لا تختزل المشهد.
المغرب لم يتصدر من حيث الحجم، بل من حيث العائدات. البرتغال صدّرت كميات أكبر بكثير، لكنها فعلت ذلك بهامش أقل. الفارق هنا ليس تقنياً فحسب، بل يعكس اختياراً استراتيجياً يقوم على التركيز على أصناف عالية الجودة موجهة لسلاسل التوزيع الكبرى والمطاعم الراقية في أوروبا.
إنه نموذج يراكم القيمة المضافة عبر استثمارات مكثفة في البيوت المغطاة، وأنظمة الري الدقيقة، وسلاسل التبريد، والامتثال الصارم للمعايير الصحية الأوروبية.
لكن كل نموذج اقتصادي يحمل كلفته الخاصة.
الطماطم، بخلاف رمزيتها البسيطة، محصول يعتمد على موارد مائية مهمة، خصوصاً في أنظمة الإنتاج المكثف الموجهة للتصدير.
بلدٌ يُصنَّف ضمن مناطق الإجهاد المائي الهيكلي لا يستطيع التعامل مع خياراته الزراعية باعتبارها قرارات تجارية محضة.
وفرة موسمية في منسوب السدود لا تُلغي واقع التقلبات المناخية الحادة ودورات الجفاف المتكررة، ولا تحوّل المورد المائي إلى رصيد غير محدود.
المعضلة لا تكمن في التصدير ذاته، بل في شروطه.
تدفقات العملة الصعبة تعزز الميزان التجاري وترفع موقع المملكة داخل سلاسل التوريد الأوروبية، لكنها تطرح في المقابل سؤال توزيع القيمة داخلياً.
من يستفيد فعلياً من فارق السعر الذي يتجاوز يورو كاملاً للكيلوغرام مقارنة ببعض المنافسين؟ وهل ينعكس ذلك على دخل الفلاح الصغير، أم يتركز في حلقات عليا من سلسلة القيمة تمتلك القدرة على الولوج المباشر إلى الأسواق الخارجية؟
البعد الاجتماعي لا يقل أهمية. ارتفاع الطلب الأوروبي يعيد توجيه أفضل الأصناف نحو التصدير، وهو منطق اقتصادي مفهوم.
غير أن التوازن يصبح هشاً حين يشعر المستهلك المحلي بأن منتجات بلده ترتبط أكثر بديناميات السوق الخارجية من ارتباطها بقدرته الشرائية.
إدارة هذا التوازن تمثل اختباراً دقيقاً لسياسات الأمن الغذائي، لا مجرد معادلة عرض وطلب.
على المستوى الجيو-اقتصادي، يعكس نمو الصادرات نحو إسبانيا اندماجاً عميقاً في السوق الأوروبية، لكنه يبرز أيضاً مسألة التركّز الجغرافي.
الاعتماد المكثف على سوق واحدة يجعل القطاع عرضة لتقلبات تنظيمية أو سياسية مفاجئة.
تنويع الأسواق يشكل أداة تحوط استراتيجية، لا مجرد توسع تجاري.
التقدم التقني المغربي في الجودة والامتثال للمعايير الأوروبية مكسب حقيقي، غير أن معيار النجاح في اقتصاد زراعي حديث لا يُقاس بقيمة الصادرات وحدها، بل بقدرته على تحقيق توازن مستدام بين الربح، وإدارة الموارد الطبيعية، وضمان استقرار السوق الداخلية.
رقم 141 مليون يورو ليس مجرد إنجاز تجاري؛ إنه مرآة لنموذج زراعي قيد الاختبار.
إما أن يتحول إلى رافعة تنمية متوازنة تجمع بين الانفتاح والسيادة، أو يظل رقماً براقاً يخفي توتراً متصاعداً بين منطق السوق الخارجي وحق المواطن في غذاء مستقر وبسعر معقول.
