بين خطاب رسمي يتحدث عن “السيادة الصحية” و“تشجيع المنتوج الوطني”، وبين ما كشفته يومية الأخبار حول مشروع مرسوم جديد أحاله وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي إلى الأمانة العامة للحكومة، يبرز تناقض لا يمكن تجاهله.
فالمعطيات المتداولة تشير إلى رفع هامش الربح لفائدة الشركات الأجنبية المصدّرة للأدوية إلى 15%، مقابل هوامش أقل للمصنعين المحليين.
إذا صحّ هذا التوجه، فنحن لا نكون أمام تعديل تقني بسيط، بل أمام إعادة رسم خريطة الربح داخل سوق الدواء.
وعندما يُمنح المستورد هامشاً أكبر في أدوية لها نظير يُنتج داخل المغرب، فإن الرسالة الاقتصادية تكون واضحة: الأفضلية تنتقل من خط الإنتاج الوطني إلى خط الاستيراد.
كيف يمكن الحديث عن “منصة صناعية دوائية” بينما تُعاد هيكلة الهوامش بطريقة قد تُضعف تنافسية المصنع المحلي؟ الشركات المغربية لم تبنِ مصانعها لتكون مجرد مكمل للسوق، بل لتكون ركيزة للأمن الصحي وتقليص التبعية.
وأي قرار يغير قواعد اللعبة في منتصف الطريق يضع هذه الاستثمارات أمام اختبار صعب.
المثير أن مجلس المنافسة، بحسب ما نقلته “الأخبار”، أبدى تحفظات على المشروع.
وهذا ليس تفصيلاً هامشياً؛ فحين تتحرك مؤسسة دستورية معنية بحماية قواعد السوق، فالأمر يتجاوز الخلاف التقني إلى سؤال توازن اقتصادي.
المرسوم الحالي يعود في فلسفته إلى إصلاح 2013 (2-13-852)، الذي اعتمد المقارنة المرجعية الدولية لتخفيض الأسعار.
ذلك الإصلاح قُدم آنذاك كخطوة لحماية القدرة الشرائية.
اليوم، السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيبقى هذا الهدف في الصدارة، أم أن إعادة توزيع الهوامش ستغيّر اتجاه البوصلة؟
الأمر لا يتعلق فقط بأرباح شركات، بل بميزان عملة صعبة يواجه ضغوطاً مستمرة.
كل توسيع لهوامش الاستيراد يعني تدفقاً أكبر نحو الخارج.
وفي وقت تُرفع فيه شعارات تعويض الواردات بالإنتاج المحلي، يصبح من المشروع طرح السؤال: هل نحن أمام انسجام في السياسات أم أمام ازدواجية في الاتجاه؟
المغاربة لا يهمهم من يربح داخل السلسلة، بقدر ما يهمهم ألا ترتفع الفاتورة وألا يُضعف التصنيع المحلي الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن الأمن الصحي. وإذا كان المشروع يروم فعلاً تأمين التزويد، فذلك هدف مشروع، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى بوابة لإعادة ترجيح كفة الاستيراد على حساب الإنتاج الوطني.
الكرة الآن في ملعب الحكومة: إما توضيح المبررات بشفافية كاملة، وإما ترك الباب مفتوحاً أمام تأويلات تقول إن معادلة السيادة الدوائية لم تعد أولوية كما كانت تُقدم في الخطاب الرسمي.
