بعد نحو سنتين ونصف على الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز في سبتمبر/أيلول 2023، دخل برنامج إعادة الإعمار مرحلة مساءلة جديدة عقب صدور تقرير يوم الخميس 26 فبراير/شباط 2026 عن ترانسبرانسي المغرب بشراكة مع مؤسسة هاينريش بول، خلص إلى أن حصيلة الورش لا يمكن اختزالها في نسب الإنجاز المعلنة، ودعا صراحة إلى إخضاع البرنامج لافتحاص شامل من قبل المجلس الأعلى للحسابات، إلى جانب المطالبة بإحداث لجنة تقصي حقائق برلمانية.
التقرير يرصد مفارقة لافتة بين خطاب رسمي يتحدث عن اقتراب الإنجاز من عتبة 90%، وواقع اجتماعي لا يزال يرزح تحت آثار الكارثة.
فبينما بلغت نسبة إنجاز المساكن نحو 87% وفق المعطيات المتداولة، لا تزال 13% قيد البناء، مع تسجيل وجود 4895 مسكناً داخل مناطق مصنفة ضمن نطاق الخطر، ما يطرح إشكاليات تتعلق بالتخطيط المجالي وإدارة المخاطر المستقبلية.
وعلى مستوى البنية الأساسية، يشير التقرير إلى أن 220 مؤسسة تعليمية لم يُستكمل بناؤها بعد، إلى جانب تأخر مشاريع صحية وطرقية، ما يعكس أن إعادة الإعمار لم تستعد بعدُ وظائف المجال الحيوية.
كما يؤكد أن سنة 2025 تميزت بتفكيك جزء من الخيام، غير أن ذلك تزامن مع ظروف مناخية قاسية، في وقت ظل فيه عدد من الأسر يعيش في خيام أو حاويات مؤقتة، مع تسجيل وفاة ثلاثة أشخاص على الأقل داخل هذه المساكن الهشة.
استند التقرير إلى استطلاع شمل 454 أسرة في إقليمي الحوز وشيشاوة، كشف أن 42% من أرباب الأسر فقدوا عملهم بعد الزلزال، وأن 50% من الأسر المستجوبة لا يتجاوز دخلها الشهري ألف درهم، فيما أكد 91% وجود أضرار في منازلهم.
كما أفاد بأن 44% من الأسر لا تقيم في مساكن أعيد بناؤها أو ترميمها، وأن 89.5% ممن لم تتم إعادة إسكانهم لا يزالون يعيشون في الخيام والحاويات.
ويرصد التقرير أيضاً إشكاليات في الولوج إلى الدعم، إذ صرحت 33% من الأسر بأنها استُبعدت من المساعدة في إعادة الإعمار، بينما أكد 71% من المستفيدين وجود صعوبات إدارية أو مالية أو تقنية مع السلطات أو المقاولين.
ويخلص إلى أن نموذج التدبير المعتمد حمّل الأسر جزءاً كبيراً من مسؤولية البناء، بدل تحمل الدولة الدور المركزي في التنفيذ، وهو ما عمّق أثر الهشاشة، خصوصاً في صفوف النساء، حيث إن 21% من اللواتي حُرمن من الدعم يعانين من صعوبات مضاعفة، في ظل غياب تمويل ذاتي يمكنهن من استكمال البناء.
كما يتوقف التقرير عند ما وصفه بالدور المهيمن لوزارة الداخلية في تدبير الورش، مقابل محدودية الوسائل المتاحة لوكالة تنمية الأطلس الكبير، وبطء اجتماعات اللجنة البين-وزارية، وتأخر اتخاذ قرارات حاسمة.
ويسجل في المقابل محدودية المشاركة المواطنة، وانتقادات لما اعتبره “رضىً مبالغاً فيه” في الخطاب الحكومي لا يعكس بالكامل حجم التحديات القائمة.
في السياق الاجتماعي، يشير التقرير إلى تزايد احتجاجات المتضررين، ووضع مطالبهم في صلب النقاش العمومي، مع تسجيل اعتقال وإدانة رئيس تنسيقية ضحايا الزلزال سعيد آيت مهدي، في تطور يعكس حساسية الملف وتداخل أبعاده الاجتماعية والقانونية.
كما لعب المجتمع المدني دوراً بارزاً، إذ شكّل نحو 30% من مصادر التمويل الموجهة للأسر، في مؤشر على اتساع دائرة الهشاشة وضعف شبكات الدعم التقليدية.
ويؤكد التقرير أن إعادة بناء مجال متضرر لا يمكن أن تنحصر في الصفقات العمومية أو الاجتماعات الإدارية، بل ينبغي أن ترتكز على العدالة الاجتماعية والكرامة والشفافية والمحاسبة، وعلى تمكين السكان من إعادة بناء مستقبلهم داخل مجالهم الطبيعي.
ويرى أن نجاح أو فشل برنامج الأطلس الكبير سيشكل مؤشراً حاسماً لتقييم البرامج التي أطلقت عقب فيضانات طاطا وآسفي والفيضانات الأخيرة في الشمال والغرب.
بذلك، يتحول إعمار الحوز من مجرد ورش عمراني إلى اختبار مؤسساتي أوسع، تتقاطع فيه أسئلة التخطيط والتمويل والمشاركة والمساءلة.
وبين لغة الأرقام الرسمية وصوت الخيام التي لم تختفِ تماماً من المشهد، تتحدد ملامح مرحلة جديدة عنوانها: هل يترجم التعافي إلى ثقة مستدامة، أم يظل رهين تقارير دورية ونسب مئوية؟
