لم تكن فيضانات إقليم القنيطرة وحوضي سبو واللوكوس مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى عدالة ونجاعة المعايير المعتمدة في تدبير الدعم العمومي خلال حالات الطوارئ.
السؤال البرلماني الذي وجّهه النائب مصطفى إبراهيمي إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أعاد طرح إشكال جوهري: هل ارتبطت الاستفادة من الدعم بمعيار الإيواء أكثر مما ارتبطت بحجم الضرر الفعلي؟
بحسب المعطيات المثارة، تم اعتماد الاستفادة أساساً لفائدة المواطنين الذين تم إيواؤهم داخل المراكز التي خصصتها السلطات المحلية أو المخيمات التي أقامتها القوات المسلحة الملكية.
غير أن حالات أخرى، وفق ما ورد، ظلت خارج لوائح الاستفادة رغم تكبدها خسائر مادية مباشرة.
من بين هذه الحالات أسر فضّلت البقاء فوق أسطح منازلها حفاظاً على ممتلكاتها، وفلاحون وكسابة بقوا داخل ضيعاتهم لحماية ماشيتهم ومحاصيلهم، إضافة إلى أسر تعذر عليها مغادرة مساكنها بسبب صعوبة التنقل أو الخشية من فقدان ما تبقى من ممتلكاتها.
وهنا يبرز السؤال المحوري: هل يُعدّ الإيواء مؤشراً كافياً لتحديد المتضرر، أم أن معيار العدالة يقتضي الانطلاق من حجم الخسارة الفعلية؟
عملياً، تعتمد عمليات حصر الأضرار على لجان محلية تتولى الإحصاء وإعداد اللوائح.
غير أن ربط الاستفادة حصرياً بالتواجد في مراكز الإيواء قد يثير تساؤلات حول مدى شمولية هذه المقاربة، خاصة إذا وُجد متضررون فعليون لم تشملهم اللوائح لاعتبارات مرتبطة بقرارهم البقاء في أماكنهم.
الرهان اليوم لا يتعلق فقط بسرعة صرف الدعم، بل أيضاً بفلسفة تدبيره. ففي سياق الكوارث الطبيعية، يُفترض أن ينطلق التعويض من معاينة دقيقة لحجم الأضرار، سواء تعلّق الأمر بمساكن متضررة أو بمحاصيل وقطعان تمثل مصدر عيش أسر بأكملها.
الفصل بين الإيواء الاستعجالي كإجراء إنساني مؤقت، والتعويض عن الأضرار كحق مرتبط بالخسارة، قد يشكل مدخلاً أكثر توازناً وإنصافاً.
كما أن الوضوح في إعلان المعايير، وإتاحة إمكانية مراجعة اللوائح عند الاقتضاء، يظلان عنصرين أساسيين لتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة.
ففي مثل هذه الأزمات، لا يُقاس النجاح بعدد المستفيدين فقط، بل بمدى شعور المتضررين بأن المعايير واضحة وعادلة.
اليوم، يبقى التحدي مطروحاً أمام وزارة الداخلية: توضيح الأسس المعتمدة بشكل مفصل، وضمان أن يصل الدعم إلى كل متضرر فعلي، دون أن يتحول معيار الإيواء إلى شرط حصري للاستفادة.
فإعادة بناء البيوت ممكنة في أشهر، أما إعادة بناء الثقة في عدالة التدخل العمومي فتحتاج وضوحاً، وإنصافاً، ومقاربة تضع الضرر الحقيقي في صلب المعادلة.
