ليست حرية التظاهر في المغرب مجرد مبدأ نظري منصوص عليه في الدستور، بل حق مؤطر بقواعد قانونية واضحة تحدد شروط ممارسته وحدودها.
غير أن تنزيل هذا الحق على أرض الواقع يظل، في أحيان كثيرة، محكوماً باعتبارات ظرفية تتجاوز النصوص المجردة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات امتداد خارجي أو بحساسيات دبلوماسية معقدة.
في هذا السياق، جاء منع وقفتين احتجاجيتين مساء السبت بكل من الرباط وطنجة، كانتا مخصصتين للتعبير عن مواقف تضامنية مع التطورات الجارية في الشرق الأوسط وتجديد الدعم لفلسطين، ليعيد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الضمان الدستوري ومقتضيات التدبير العملي.
فقد شهدت مدينة طنجة توقيف عدد من المشاركين قبل أن يتم إطلاق سراحهم بعد ساعات، وفق ما أورده “الفضاء المغربي لحقوق الإنسان”، بينما عبّرت جهات منظمة، من بينها حركة المقاطعة بالمغرب، عن استنكارها لقرار المنع.
دستورياً، تكفل المملكة حرية التعبير والتجمع السلمي، كما ينظم قانون التجمعات العمومية مسطرة الإشعار وشروط تدخل السلطات حفاظاً على النظام العام.
غير أن التحدي لا يكمن في النصوص بقدر ما يكمن في كيفية تأويلها وتنزيلها في سياقات دقيقة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع رهانات السياسة الخارجية وصورة الدولة في محيط إقليمي متوتر.
وقفـتا الرباط وطنجة تمثلان، في هذا الإطار، نموذجاً مصغراً لإشكالية أوسع: كيف يمكن تحقيق توازن فعلي بين صون حرية التظاهر باعتبارها حقاً دستورياً، وبين تقدير السلطات لاعتبارات النظام العام ومتطلبات المرحلة؟ وهل يكون المنع في مثل هذه الحالات تدبيراً وقائياً مؤقتاً، أم يعكس توجهاً أكثر تحفظاً في التعاطي مع الاحتجاج المرتبط بملفات خارجية؟
في الوقت الذي تعبر فيه الدولة رسمياً عن مواقفها في المحافل الدولية، يظل الفضاء العمومي مجالاً للتعبير الشعبي عن قناعات سياسية أو تضامنية.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى وضوح أكبر في قواعد التدبير، وتواصل مؤسساتي يشرح للرأي العام الأسس القانونية لأي قرار تقييدي، حتى لا يتحول النقاش من خلاف حول تنظيم وقفة إلى جدل أوسع حول حدود الحريات.
إن النقاش الذي أثارته هذه الواقعة لا يتعلق فقط بوقفتين تم منعهما، بل يعكس تحدياً مستمراً في الأنظمة الدستورية المعاصرة: كيفية التوفيق بين النص والواقع، بين المبدأ والتقدير الإداري، وبين حماية الاستقرار وضمان فضاء عمومي مفتوح للتعبير السلمي.
بهذا المعنى، تشكل وقفـتا الرباط وطنجة حالة دراسية تكشف أن قوة الضمانات الدستورية لا تُقاس فقط بوجودها في الوثيقة الرسمية، بل بمدى وضوح مساطر تنزيلها، وشفافية القرارات المتخذة في لحظات التوتر، وقدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف ضمن إطار قانوني متوازن.
