بينما تتصاعد الخطابات حول “السيادة البيئية” ومواجهة التغيرات المناخية، يكشف التقرير السنوي لـ المجلس الأعلى للحسابات (2022–2023) واقعاً مقلقاً يضع استراتيجية غابات المغرب 2020–2030 أمام اختبار صعب للحكامة والنجاعة. لسنا أمام هفوات تقنية معزولة، بل أمام مؤشرات خلل تدبيري بنيوي، تتقاطع فيه محدودية التخطيط مع ضعف التتبع، في قطاع يرتبط مباشرة بالأمن البيئي والمائي.
الأرقام صريحة.
فقد أنتجت الوكالة الوطنية للمياه والغابات بين 2014 و2023 ما مجموعه 43.74 مليون شتلة غابوية لم تتحول إلى غرس فعلي، بكلفة تقارب 92 مليون درهم.
أي أن 22 في المائة من مجموع الإنتاج الوطني بقي خارج الأرض.
خُمس الجهد البشري والمالي والتقني لقطاع الغابات خلال عقد كامل لم يُترجم إلى غطاء غابوي، في لحظة يواجه فيها المغرب ضغطاً مناخياً متصاعداً وجفافاً بنيوياً ممتداً.
الاستراتيجية الوطنية وعدت بإعادة تشجير 600 ألف هكتار بحلول 2030.
غير أن الفترة بين 2022 و2024 لم تسجل سوى إنجاز 57.546 هكتاراً من أصل 139.860 هكتاراً مبرمجة، بنسبة لا تتجاوز 41 في المائة.
الفارق هنا لا يعكس فقط تأخراً زمنياً، بل فجوة واضحة بين الطموح والقدرة التنفيذية، وبين الأهداف المعلنة والإمكانات الميدانية.
والمفارقة أن الإشكال لا يقتصر على ما لم يُغرس، بل يمتد إلى ما غُرس فعلياً.
ففي موسم 2022–2023 لم تتجاوز نسبة نجاح عمليات التشجير 51 في المائة، حيث نجحت العملية في أقل من 10 آلاف هكتار من أصل نحو 19.500 هكتار.
عندما يفشل نصف الغرس تقريباً بسبب ضعف الجودة أو ظروف التخزين أو محدودية التأقلم، فإن الحديث ينتقل من منطق “الكم” إلى سؤال “الجدوى”.
المشهد داخل المشاتل يعكس بدوره هذا الاختلال.
فالوكالة تتوفر على 62 مشتلاً بطاقة نظرية تناهز 64.7 مليون شتلة سنوياً، غير أن 26 مشتلاً فقط تُستغل فعلياً بطاقة في حدود 36.45 مليون شتلة، بفعل تقادم التجهيزات، وضعف البنيات، وصعوبات التزود بمياه الري، ونقص الموارد المؤهلة.
وفي أفق 2030، يُرتقب أن ترتفع الحاجيات إلى نحو 75 مليون شتلة سنوياً، ما يضع المنظومة أمام تحدٍ استراتيجي حقيقي.
الأثر البيئي لهذا الوضع يتجاوز حدود القطاع.
ضعف الغطاء النباتي يعجّل بانجراف التربة، ويضاعف حدة السيول، ويُسرّع توحل السدود، ويضغط على المنابع والواحات والأراضي الفلاحية.
في مناطق شهدت فيضانات وانزلاقات أرضية خلال السنوات الأخيرة، يصبح التشجير رافعة وقائية أساسية، لا مجرد مؤشر رقمي في وثيقة تخطيط.
ورغم لجوء الوكالة إلى إشراك القطاع الخاص لتعويض محدودية الإنتاج، سجل التقرير غياب إطار تنظيمي وتقني صارم لمراقبة الجودة وتتبع مسار الشتلات، مع دفاتر تحملات غير ملائمة لطبيعة الإنتاج الغابوي وغياب منظومة متكاملة للتصديق.
النتيجة: كلفة تُصرف، وأثر بيئي لا يرقى دائماً إلى مستوى التحديات المناخية المطروحة.
المجلس الأعلى للحسابات لم يتعامل مع هذه المعطيات باعتبارها اختلالات ظرفية، بل صنفها ضمن مؤشرات خلل بنيوي في الحكامة، مرتبط بضعف البرمجة والتتبع وتدبير المخاطر.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يُفعَّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في قطاع استراتيجي يمس الأمن البيئي والمائي والغذائي؟
المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى شعارات إضافية، بل إلى تحول عميق في التدبير: رقمنة تتبع الشتلات من الإنتاج إلى ثلاث سنوات بعد الغرس، ربط الأداء بالنتائج القابلة للقياس، تحديث المشاتل، إعادة هندسة سلاسل الإنتاج، وتعزيز آليات التقييم المستقل.
لأن الغابة في المغرب ليست ترفاً إيكولوجياً، بل ركيزة توازن ترابي ومائي طويل الأمد.
بين 92 مليون درهم لم تتحول إلى أثر ميداني، و600 ألف هكتار مأمولة بحلول 2030، يقف قطاع الغابات أمام مفترق طرق حاسم:
إما أن تتحول الأرقام إلى أشجار…
أو تبقى الأشجار مجرد أرقام في التقارير.
