لم يكن السجال الذي جمع الصحفي كمال عصامي بمحمد الفيزازي مجرد احتكاك عابر بين مقال ورد، ولا خصومة شخصية يمكن اختزالها في انفعال ظرفي أو سوء تقدير لغوي، بل بدا أقرب إلى مرآة مكثفة تعكس جانباً من أعطاب النقاش العمومي حين تضيق المسافة بين النقد والتجريح، وبين حق السؤال وحرارة الرد.
كتب كمال عصامي مقالاً نقدياً تناول فيه مسار خطاب محمد الفيزازي من زاوية الانتقال من منطق التكفير إلى منطق التخوين، واضعاً أمام القارئ سؤالاً شديد الحساسية حول معنى المراجعة الفكرية وحدودها، وما إذا كانت التحولات المعلنة تكفي وحدها لإقناع الرأي العام بحدوث قطيعة حقيقية مع خطاب التصنيف والإقصاء.
المقال لم يكن بارداً في لغته.
فقد استعمل عصامي عبارات قوية من قبيل “من التكفير إلى التخوين”، و“مسار معتل لا يغير إلا الأقنعة”، وتحدث عن “العقلية الإقصائية”، و“التخوين والطعن في وطنية المغاربة”، واعتبر أن ما يجري، في نظره، قد يكون انتقالاً من منطق “الخروج عن الملة” إلى منطق “الخروج عن الوطنية”.
كما ذهب المقال إلى توصيفات أكثر حدة، حين تحدث عن “لغة التحريض والتصنيف”، و“رواسب الفكر التكفيري”، و“احتقار المخالف”، و“احتكار الحقيقة”، و“عقلية عدائية غايتها التصفية المعنوية”.
هذه العبارات، بما تحمله من ثقل سياسي وفكري، تفسر جانباً من الغضب الذي ظهر في رد الفيزازي.
وقد يراها البعض قراءة نقدية مشروعة لخطاب شخصية عمومية حاضرة في المجال العام، بحكم أن من يتحدث في قضايا الدين والسياسة والوطنية يصبح، بحكم اختياره، موضوعاً للنقد والتحليل والمساءلة.
وقد يراها آخرون عبارات قاسية، تجاوزت حدود التفكيك الهادئ إلى توصيفات ثقيلة من شأنها أن تستفز المعني بها وتجعله يشعر بأن شخصه، لا خطابه فقط، صار موضوعاً للحكم والتصنيف.
وهنا بالضبط تبدأ أهمية القضية.
فالصحافة حين تقترب من الخطابات الحساسة، لا تمارس ترفاً لغوياً ولا تستعرض سلطة رمزية، بل تلامس مناطق شائكة من الوعي العام، حيث تصبح الكلمة مسؤولية، ويصبح الوصف موقفاً، ويصبح النقد قابلاً لأن يُقرأ بأكثر من معنى.
وفي المقابل، كان من حق محمد الفيزازي أن يرد على المقال، وأن يفند ما اعتبره تحاملاً أو قسوة أو قراءة غير منصفة لمساره ومواقفه.
ذلك حق لا ينازعه فيه أحد.
فالرأي لا يكتمل إلا برأي مقابل، والتحليل لا يزداد وضوحاً إلا حين يواجه اعتراضاً، والنقاش لا يكون صحياً إلا حين تتعدد داخله الزوايا والقراءات.
غير أن الرد، هو الآخر، لا يوجد خارج دائرة المساءلة.
ففي رده، اعتبر الفيزازي أن المقال رسم له صورة كاريكاتورية، وتحدث عن “التنمر والاحتقار”، قبل أن ينتقل إلى عبارات شديدة القسوة في حق كمال عصامي، من قبيل “سحقاً لك”، وعبارة “لكل كلب يلغ فيه”، إضافة إلى استعمال تعبيرات جارحة أخرى جعلت الرد نفسه موضوعاً للنقاش، لا مجرد جواب على مقال.
هنا لا يعود الأمر متعلقاً فقط بمضمون مقال عصامي، ولا فقط بحدة رد الفيزازي، بل بالطريقة التي يتحول بها الخلاف داخل المجال العام من نقاش حول الأفكار إلى تبادل للعبارات الثقيلة.
فحين ينتقل الدفاع عن النفس من تفنيد الفكرة إلى لغة الغضب، وحين تختلط الحجة بعبارات جارحة، يصبح الرد جزءاً من الإشكال الذي يريد صاحبه أن يواجهه.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال من بدأ، ولا من كان أكثر قسوة، ولا من يملك الحجة الأقوى، بل يصبح السؤال أوسع: كيف ندير خلافاتنا داخل المجال العام؟.
هل نواجه المقال بمقال؟.
هل نرد على الفكرة بفكرة؟.
هل نملك القدرة على الاعتراض دون إهانة؟.
وهل نستطيع أن نختلف دون أن نحول الاختلاف إلى معركة رمزية لكسر الصورة والاعتبار؟.
السجال بين كمال عصامي ومحمد الفيزازي يكشف أن الأزمة لا تقف عند حدود شخصين، ولا عند حدود مقال ورد عليه، بل تمتد إلى مناخ أوسع صار فيه النقاش العمومي سريع الاشتعال، قليل الاحتمال، شديد القابلية للانزلاق من الفكرة إلى الشخص، ومن التحليل إلى المحاكمة، ومن الرد إلى التراشق.
كمال عصامي طرح سؤالاً حول طبيعة التحول في خطاب الفيزازي، وهل يتعلق الأمر بمراجعة فكرية عميقة أم بتبدل في مفردات الخطاب فقط.
والفيزازي رد من موقع من اعتبر نفسه مستهدفاً في صورته وكرامته ومساره.
وبين السؤال والرد، برزت القضية الأكبر: كيف يمكن لصحفيين وشخصيات عمومية وفاعلين في الرأي أن يختلفوا دون أن تتحول اللغة إلى ساحة لتصفية المعنى؟.
لا يمكن إنكار حق الصحفي في النقد.
ولا يمكن أيضاً إنكار حق الشخص المعني بالنقد في الدفاع عن نفسه حين يرى أن المقال حمل ما لا يحتمل، أو بالغ في توصيفه، أو اختزل مساره في زاوية واحدة.
لكن بين الحقين توجد مساحة دقيقة اسمها المسؤولية.
مسؤولية الكاتب في اختيار العبارة التي لا تخلط بين تفكيك الخطاب وإسقاط الشخص.
ومسؤولية المردود عليه في ضبط الانفعال حتى لا يتحول الرد إلى شهادة ضد لغته.
ومسؤولية الجمهور في ألا يحول كل سجال إلى محاكمة مفتوحة، بلا قواعد ولا مسافة ولا إنصاف.
في مثل هذه الوقائع، لا ينتصر أحد حين تهبط لغة النقاش.
لا ينتصر الكاتب إذا تحولت مقالته إلى شرارة خصومة شخصية.
ولا ينتصر المردود عليه إذا غلب الغضب على الحجة.
ولا يربح المجال العام شيئاً حين تصبح المقالات والردود مناسبة لقياس من يملك العبارة الأقسى، لا من يملك الفكرة الأمتن.
اللافت في هذا السجال أن المقال والرد معاً أعادا إلى الواجهة سؤالاً أقدم من الواقعة نفسها: هل نملك في فضائنا العمومي ثقافة كافية لقبول النقد؟.
وهل نملك شجاعة كافية لمراجعة اللغة حين تصبح أكثر حدة مما ينبغي؟.
وهل نستطيع أن نناقش الأفكار الصعبة دون أن نسقط في منطق التصنيف، سواء باسم الدين، أو باسم الوطنية، أو باسم الدفاع عن الذات؟.
هذه هي الزاوية الأعمق في المسألة.
ليست القضية أن يكون القارئ مع كمال عصامي أو مع محمد الفيزازي.
وليست القضية أن نمنح صك الصواب لهذا أو نحمل كامل الخطأ لذاك.
القضية أن سجالاً من هذا النوع يضع الجميع أمام امتحان اللغة والمسؤولية: كيف نحمي حق النقد دون أن يتحول إلى حكم قاسٍ على الأشخاص؟.
وكيف نحمي حق الرد دون أن يتحول إلى إهانة؟.
وكيف نرفع مستوى الخلاف بدل أن نجعل كل اعتراض مناسبة جديدة لتمزيق جسور الحوار؟.
لقد حرّك مقال كمال عصامي غضب الفيزازي، لكن الرد فتح باباً أوسع من صاحبهما معاً.
باباً على سؤال اللغة في المجال العام.
وسؤال المراجعة حين لا تكون إعلاناً لفظياً، بل سلوكاً يظهر عند الاختبار.
وسؤال الصحافة حين تقترب من الخطابات الحساسة.
وسؤال الشخصيات العمومية حين تجد نفسها أمام نقد لا يوافقها ولا يريحها.
في النهاية، لا يحتاج النقاش العمومي إلى منتصرين غاضبين بقدر ما يحتاج إلى أطراف قادرة على الاختلاف دون إلغاء، والاعتراض دون تجريح، والرد دون كسر للكرامة.
فالنقد حق.
والرد حق.
والاعتراض حق.
لكن الحجة وحدها هي التي تمنح الخلاف قيمته.
أما حين تتراجع الحجة، أو تختلط بالعبارة الجارحة، فإن السجال لا يعود نقاشاً حول فكرة، بل يتحول إلى دليل جديد على أن المجال العام ما زال يحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء، وقدر أعمق من المسؤولية، وقدر أرفع من احترام ذكاء القارئ.
