بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد العلاقة الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا تُقرأ فقط من زاوية القرب الجغرافي أو المصالح السياسية المشتركة.
فالأرقام التجارية باتت تقدم صورة أكثر عمقاً عن طبيعة الترابط بين البلدين، وعن الموقع الذي بدأ يحتله المغرب داخل السوق الإسبانية وسلاسل التوريد المرتبطة بالفضاء الأوروبي.
وحسب معطيات منشورة على منصة Trading Economics، بالاستناد إلى قاعدة UN Comtrade الدولية، بلغت واردات إسبانيا من المغرب نحو 12.2 مليار دولار خلال سنة 2025، وهو ما يعادل، من زاوية القراءة التجارية، صادرات مغربية نحو السوق الإسبانية تجاوزت عتبة 12 مليار دولار في سنة واحدة.
هذا الرقم يمنح العلاقة بين الرباط ومدريد بعداً اقتصادياً واضحاً، يتجاوز النقاش التقليدي حول الحدود والهجرة والتعاون الأمني والملفات السياسية التي تظهر من حين إلى آخر في واجهة العلاقات الثنائية.
فإسبانيا لا تتعامل مع المغرب فقط باعتباره جاراً قريباً جنوب المتوسط، بل باعتباره شريكاً تجارياً حاضراً في قطاعات متعددة ومرتبطة بحاجيات السوق الإسبانية.
ولا تقف أهمية هذا الرقم عند قيمته الإجمالية فقط، بل تمتد إلى طبيعة السلع التي يصدرها المغرب نحو السوق الإسبانية.
فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن الصادرات المغربية نحو إسبانيا تشمل معدات كهربائية وإلكترونية، وملابس ومنتجات نسيجية، وعربات وقطع سيارات، وأسماكاً وقشريات، وفواكه وخضراً، وأسمدة، ومواد كيميائية.
وهذا التنوع يمنح الرقم دلالته الاقتصادية الحقيقية، لأنه يكشف أن المغرب لا يحضر داخل السوق الإسبانية من بوابة المنتجات الفلاحية والبحرية فقط، بل من خلال قطاعات صناعية وتجارية مرتبطة بسلاسل إنتاج أوسع داخل الفضاء الأوروبي.
فحين تكون المعدات الكهربائية، وقطع السيارات، والمنتجات النسيجية، إلى جانب الفلاحة والصيد البحري والأسمدة، ضمن ما تستورده إسبانيا من المغرب، فإن الأمر لا يتعلق بعلاقة تجارية موسمية، بل بتموقع تدريجي داخل حاجيات الاقتصاد الإسباني.
ومن هنا يصبح نجاح الصادرات المغربية نحو إسبانيا أكثر من مجرد رقم في منصة دولية، لأنه يعكس قدرة جزء من النسيج الإنتاجي الوطني على دخول سوق أوروبية قريبة، تنافسية، ومتصلة بسلاسل قيمة صناعية وغذائية وتجارية واسعة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المعطى باعتباره مؤشراً على نجاح خارجي مهم للصادرات المغربية، وعلى قدرة جزء من النسيج الإنتاجي الوطني على تثبيت موقعه داخل سوق قوية ومفتوحة على منافسة كبيرة.
غير أن قوة الرقم لا ينبغي أن تحجب السؤال الأعمق المرتبط بأثر هذه الدينامية داخل الاقتصاد الوطني.
فالنجاح الخارجي للصادرات يظل ناقص القراءة إذا لم يرافقه نقاش حول ما يخلقه في الداخل من استثمار منتج، وفرص شغل، وقيمة مضافة، ونقل للخبرة، وتقوية للمقاولات الوطنية، وتوسيع لقاعدة الإنتاج.
وحين تتجاوز الصادرات المغربية نحو إسبانيا 12 مليار دولار، يصبح من المشروع اقتصادياً التساؤل عن موقع المقاولات الصغرى والمتوسطة داخل هذه الحركة، وعن نصيب الجهات المنتجة من القيمة المضافة، وعن قدرة سلاسل التصدير على خلق أثر مستدام داخل بنية الاقتصاد الوطني.
فالتصدير ليس مجرد عبور للسلع من الموانئ نحو الخارج، بل هو اختبار لقدرة الاقتصاد على تحويل الأسواق الخارجية إلى رافعة داخلية للتصنيع، والتشغيل، والابتكار، والاندماج في سلاسل القيمة بشروط أفضل.
وتزداد أهمية هذا النقاش حين نعلم أن إسبانيا صدّرت بدورها إلى المغرب بما يفوق 13.5 مليار دولار خلال سنة 2025، وفق المعطيات التجارية نفسها، ما يؤكد أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين واسعة من الجهتين، وليست حركة تجارية في اتجاه واحد.
هذا المعطى يمنح الصورة قدراً أكبر من التوازن، لأن العلاقة بين المغرب وإسبانيا تقوم اليوم على مصالح متبادلة، وأسواق مترابطة، وحاجيات اقتصادية تجعل كل طرف جزءاً من حسابات الطرف الآخر.
لكن هذا التوازن لا يلغي سؤال الموقع داخل سلسلة القيمة.
فالمغرب، وهو يعزز حضوره داخل السوق الإسبانية، يحتاج إلى الانتقال التدريجي من منطق التوريد القريب والمنافسة في الكلفة، إلى منطق إنتاج قيمة مضافة أعلى داخل القطاعات الصناعية والفلاحية والخدماتية المرتبطة بالتصدير.
وهذا الرهان يتطلب أن تتحول قوة الصادرات إلى رافعة لتأهيل المقاولات، وتحسين شروط الإنتاج، وتوسيع الاستثمار في المهارات، وربط الجهات المنتجة بمسارات أكثر نجاعة داخل التجارة الخارجية.
فالاقتصاد القوي لا يُقاس فقط بحجم الصادرات، بل أيضاً بنوعية الأثر الذي تتركه هذه الصادرات داخل السوق الوطنية.
وقد تكون العلاقة مع إسبانيا واحدة من النماذج القادرة على كشف هذا التحول.
فهناك خط سياسي بين الرباط ومدريد يظهر أحياناً في الواجهة، ويتأثر بالسياقات والملفات والحسابات الدبلوماسية.
وهناك خط اقتصادي يشتغل بهدوء عبر المصانع والموانئ وسلاسل التوريد وحركة السلع اليومية بين البلدين.
وفي كثير من الأحيان، يكون هذا الخط الاقتصادي أكثر قدرة على تفسير عمق العلاقة من الخطاب السياسي نفسه.
رقم 12.2 مليار دولار لا يقدم جواباً نهائياً، لكنه يفتح نافذة مهمة على موقع المغرب داخل الاقتصاد الإسباني، وعلى قدرة الصادرات المغربية على تثبيت حضورها في سوق أوروبية قريبة ومؤثرة.
لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤال الأثر الداخلي.
فالمطلوب اليوم ليس فقط الحفاظ على هذا الحضور التجاري، بل تحويله إلى مكسب اقتصادي أوسع داخل المغرب، عبر تقوية النسيج المقاولاتي، ورفع القيمة المضافة، وتحسين جودة الشغل، وتوسيع قاعدة الجهات والقطاعات المستفيدة من دينامية التصدير.
وبين السياسة التي ترفع العناوين، والتجارة التي تتحرك بصمت، تبدو الأرقام هذه المرة أكثر بلاغة.
المغرب حاضر بقوة في السوق الإسبانية، لكن اكتمال هذا النجاح لن يُقاس فقط بما يصل إلى الخارج، بل بما يعود إلى الداخل من قدرة إنتاجية، وتنافسية أعلى، وقيمة مضافة أكثر رسوخاً داخل الاقتصاد الوطني.
