بينما يواجه جزء واسع من الأسر المغربية ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، أطلق حزب التجمع الوطني للأحرار مرحلة سياسية جديدة تحت عنوان “مسار المستقبل”، في توقيت يتزامن مع دخول الولاية الحكومية مراحلها الحاسمة قبل انتخابات 2026.
تُقدَّم المبادرة باعتبارها جولة تواصلية هدفها عرض الحصيلة الحكومية وتعزيز الإنصات للمواطنين والفاعلين المحليين.
غير أن سياقها السياسي يمنحها أبعاداً تتجاوز البعد التنظيمي، إذ تأتي في ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة، ومع بداية تشكل ملامح تنافس انتخابي مبكر بين مكونات المشهد الحزبي.
أحد أبرز التحولات التنظيمية تمثل في انتقال رئاسة الحزب إلى محمد شوكي، في حين يواصل عزيز أخنوش رئاسة الحكومة.
هذا الفصل بين القيادة الحزبية والمسؤولية التنفيذية يُقرأ لدى عدد من المتابعين كإعادة توزيع للأدوار، تسمح للحزب بإدارة ديناميته السياسية بهامش أوسع، خصوصاً في ظل نقاشات عامة مرتبطة بالغلاء وسياسات الدعم.
يرتكز الخطاب الجديد للحزب على ما يسميه “تحصين الإرث”، وعلى رأسه ورش تعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر.
وتمثل هذه البرامج إحدى أكبر الإصلاحات الاجتماعية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، سواء من حيث الكلفة المالية أو من حيث الامتداد المؤسساتي.
غير أن السؤال السياسي الذي يطرح نفسه يتعلق بمدى قدرة الحزب على تحويل هذا الرصيد الحكومي إلى ثقة انتخابية مستدامة.
في التجارب الديمقراطية المقارنة، تسعى الأحزاب الحاكمة عادة إلى ربط الإصلاحات الكبرى بهويتها السياسية، باعتبارها دليلاً على الفعالية والقدرة على الإنجاز.
غير أن العامل الحاسم يظل مرتبطاً بشعور المواطنين بالأثر المباشر لهذه السياسات على حياتهم اليومية.
فإذا لم ينعكس الدعم الاجتماعي على استقرار القدرة الشرائية وتحسين مستوى العيش، فقد يظل مردوده السياسي محدوداً.
إعلان قيادات الحزب عن هدف بلوغ 112 مقعداً برلمانياً في انتخابات 2026 يعكس طموحاً تنظيمياً واضحاً، لكنه يرفع أيضاً سقف التوقعات.
فالزيادة في عدد المقاعد داخل سياق اقتصادي ضاغط تتطلب توسيع القاعدة الانتخابية، وإقناع فئات اجتماعية أوسع بأن الحصيلة الحكومية تحولت من وعود سياسية إلى نتائج ملموسة.
اختيار الانطلاق من جهة سوس ماسة، التي تشكل قاعدة انتخابية تقليدية للحزب، يمنح المبادرة بعداً رمزياً وتنظيمياً.
غير أن الاختبار الحقيقي سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الحزب على تعزيز حضوره في المجالات الحضرية المكتظة، وفي الأقاليم التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية مركبة.
لا يُختبر أي مشروع سياسي بالشعارات ولا بحجم الجولات التواصلية، بل بقدرته على تحويل الالتزامات إلى تحولات ملموسة في حياة المواطنين.
وبين رهانات “الدولة الاجتماعية” وضغوط الظرفية الاقتصادية، يقف “مسار المستقبل” أمام امتحان مزدوج: إقناع الناخبين بجدوى المسار، والحفاظ على توازن الثقة في سياق اجتماعي حساس.
ومع اقتراب 2026، لن يكون السؤال من يقود الحملة الأقوى، بل من يملك الحصيلة الأكثر قابلية للصمود أمام اختبار الواقع.
