لم تكن المداخلة المصورة التي نشرها عبد الرحيم بوعيدة عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد رصد عابر لارتفاع أسعار الأغنام، بل بدت أقرب إلى تشريح دقيق لاختلالات عميقة تطال بنية الاقتصاد المعيشي بالمغرب. فحين توقف عند نموذج خروف لا يتجاوز وزنه 26 كيلوغراماً، ويُعرض بسعر يصل إلى 3000 درهم أو أكثر، لم يكن الأمر، بحسب طرحه، مجرد انعكاس ظرفي لارتفاع الأسعار، بل مؤشراً يثير تساؤلات أوسع حول توازنات السوق وفعالية السياسات العمومية المرتبطة بالأمن الغذائي.
بوعيدة أوضح، في مداخلته، أن “المشكل ماشي غير فالثمن، ولكن فعدد المتدخلين اللي كيدخلو بين الكساب والمستهلك”، مشيراً إلى أن تعدد الوسطاء، أو ما يُعرف بـ“الشناقة”، يساهم بشكل مباشر في تضخم الأسعار قبل وصولها إلى المواطن.
واعتبر أن هذا الواقع يعكس، في جانب منه، محدودية آليات الضبط والمراقبة داخل السوق، وهو ما يفتح المجال أمام هوامش ربح مرتفعة لا تنعكس بالضرورة على المنتج الصغير ولا على القدرة الشرائية للمستهلك.
هذا المعطى يعيد، بشكل تلقائي، طرح سؤال السياسات الفلاحية الكبرى، وعلى رأسها مخطط “المغرب الأخضر”.
فبعد سنوات من تنزيل هذا الورش، يبرز في النقاش العمومي تساؤل متزايد لدى عدد من المتابعين حول مدى قدرته على تحقيق توازن فعلي بين متطلبات التصدير وضمان الأمن الغذائي الداخلي.
وفي هذا السياق، تساءل بوعيدة عن جدوى الاستمرار في نماذج إنتاجية موجهة أساساً نحو الأسواق الخارجية، في وقت تعرف فيه بعض السلاسل، وعلى رأسها اللحوم الحمراء، نوعاً من الهشاشة والاعتماد المتزايد على الاستيراد.
كما ربط المتحدث بين ارتفاع أسعار اللحوم وتكلفة المحروقات، معتبراً أن “أي زيادة فالمحروقات كترفع الثمن ديال كلشي”، في إشارة إلى التأثير المباشر لكلفة النقل والإنتاج على الأسعار النهائية.
وفي المقابل، يظل النقاش مفتوحاً حول مدى تفاعل الأسعار المحلية مع التراجعات التي تعرفها الأسواق الدولية، خاصة في ظل الحديث عن توفر مخزون استراتيجي من المواد الطاقية.
ولا يقف أثر هذا الارتفاع عند حدود الأسواق، بل يمتد ليطال التوازنات الاجتماعية، حيث تتزايد الضغوط على الطبقة المتوسطة التي تجد نفسها، أكثر من أي وقت مضى، أمام كلفة معيشية متصاعدة تشمل الغذاء والخدمات الأساسية.
وهو ما يجعل من مناسبة دينية واجتماعية مثل عيد الأضحى تحدياً مالياً حقيقياً لعدد كبير من الأسر.
وفي سياق متصل، أثار بوعيدة مسألة اللجوء إلى الاستيراد كآلية لضبط السوق، متسائلاً عن مدى نجاعة هذا الخيار في المدى المتوسط والبعيد.
واعتبر أن توجيه الدعم نحو الفاعلين في سلسلة الاستيراد يطرح نقاشاً حول أولويات السياسات العمومية، بين دعم الإنتاج الوطني وتقوية صمود القطيع المحلي، أو الاستمرار في حلول ظرفية مرتبطة بتقلبات السوق الدولية.
تتجاوز مداخلة عبد الرحيم بوعيدة رصد غلاء أضاحي العيد لتلامس، في عمقها، إشكالات أوسع مرتبطة بالسيادة الغذائية بالمغرب؛ حيث يعكس نموذج “خروف بـ3000 درهم” اختلالات في آليات الضبط أمام تنامي دور الوسطاء (الشناقة)، كما يعيد طرح تساؤلات حول توازن السياسات الفلاحية بين منطق التصدير وتأمين الحاجيات الداخلية، خاصة في ما يتعلق باللحوم الحمراء.
كما أن الربط بين استمرار ضغط المحروقات وتآكل القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة يضع النقاش العمومي أمام إشكالات ذات بعد اقتصادي واجتماعي واضح: هل يشكل اللجوء إلى الاستيراد المدعم حلاً ظرفياً للأزمة، أم أنه يعكس تحديات أعمق مرتبطة ببنية السوق واعتمادها على تقلبات العرض الدولي؟
