بقلم: الباز عبدالإله
أثار تداول مقاطع فيديو توثق أداء طقوس دينية يهودية بمحاذاة أسوار مدينة مراكش التاريخية موجة من النقاش العمومي، لم تخلُ من تباين حاد في المواقف بين من يرى في المشهد امتداداً طبيعياً لتاريخ مغربي قائم على التعدد والتعايش، وبين من يعتبر أن الفضاءات ذات الحمولة الرمزية لا يمكن أن تتحول إلى مجال مفتوح لممارسات دينية خارج ضوابطها المؤطرة.
وبين هذين المنظورين، برزت الحاجة إلى قراءة تتجاوز الانفعال اللحظي نحو تفكيك أعمق للسياق وحدود الفعل داخل الفضاء العام.
في قلب هذا الجدل، جاء تفاعل رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران، الذي اختار مقاربة تقوم على التريث بدل الانخراط في إصدار أحكام جاهزة، مؤكداً أنه لا يتوفر على المعطيات الكافية للحسم في الواقعة.
هذا التصريح، في ظاهره، يبدو موقفاً حيادياً، لكنه في عمقه يعكس وعياً سياسياً بطبيعة القضايا المركبة التي يتقاطع فيها الديني بالهوياتي وبالفضاء العمومي، حيث قد يؤدي التسرع في اتخاذ المواقف إلى تغذية الاستقطاب بدل احتوائه.
ولم يخلُ حديث ابن كيران من استحضار البعد التاريخي، إذ شدد على أن الوجود اليهودي في المغرب ليس طارئاً، بل هو جزء أصيل من النسيج الوطني منذ قرون، في إشارة إلى خصوصية النموذج المغربي في تدبير التعدد الديني.
غير أنه، وفي الآن ذاته، رسم تمييزاً دقيقاً بين هذا الثابت التاريخي وبين ما يمكن وصفه بـ”التحول في أنماط الممارسة”، حيث لم يعد النقاش مرتبطاً فقط بحرية المعتقد، بل بحدود تجلي هذه الحرية داخل فضاءات عمومية تحمل رمزية تاريخية وثقافية قوية.
هنا، ينتقل النقاش من سؤال الهوية إلى سؤال “جغرافية التعبد”، أي من يملك الحق في تحديد أين وكيف تُمارس الشعائر الدينية.
فأسوار مراكش، بما تختزنه من ذاكرة حضرية وتاريخية، لا تُعد مجرد فضاء عابر، بل مكوناً من مكونات الهوية الرمزية للمدينة، وهو ما يجعل أي ممارسة داخلها خاضعة، ليس فقط لمنطق الحرية، بل أيضاً لمنطق التنظيم والتأطير.
وفي هذا السياق، اختار ابن كيران أن يُحيل الملف إلى مستواه المؤسساتي، مبرزاً أن تدبير الشأن الديني في المغرب يندرج ضمن اختصاصات محمد السادس بصفته أميراً للمؤمنين، إلى جانب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو ما يعكس إدراكاً لحدود الفعل السياسي حين يتعلق الأمر بمجالات سيادية مؤطرة دستورياً.
هذه الإحالة لا تُقرأ فقط كتهرب من اتخاذ موقف، بل كنوع من إعادة ترتيب للنقاش، عبر إبعاده عن منطق المزايدات وإعادته إلى قنواته المؤسسية.
إن ما كشفته واقعة مراكش يتجاوز حدود الحدث في ذاته، ليطرح أسئلة أعمق حول كيفية التوفيق بين حرية الممارسة الدينية واحترام الخصوصيات المجالية، داخل نموذج يسعى إلى الحفاظ على توازنه بين الانفتاح والضبط.
فالتعايش، كما يقدمه الخطاب الرسمي والتاريخي، لا يُختزل في مجرد حضور مكونات دينية متعددة، بل في القدرة على تنظيم هذا الحضور ضمن قواعد تضمن السكينة العامة وتحفظ رمزية الفضاءات المشتركة.
وفي هذا السياق، يُمكن قراءة موقف ابن كيران باعتباره تعبيراً عن مقاربة تفصل بين “الثابت” المرتبط بالتعدد التاريخي، و”المتحول” المرتبط بتدبير الممارسة داخل الفضاء العام.
وهي مقاربة تطرح، بشكل غير مباشر، ضرورة تجديد النقاش حول الإطار القانوني والتنظيمي للممارسات الدينية خارج أماكن العبادة، بما ينسجم مع خصوصية النموذج المغربي ويحافظ في الآن ذاته على توازناته الدقيقة.
