بقلم: الباز عبدالإله
في مداخلة مطولة وحادة النبرة، وضع إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي بحزب العدالة والتنمية، حصيلة حكومة عزيز أخنوش تحت مجهر النقد، واضعاً المالية العمومية في صلب النقاش، ومعتبراً أن تدبيرها اتسم بـ“تدليس في الأرقام” وانحراف عن روح القانون التنظيمي لقانون المالية.
وأكد الأزمي أن النقاش حول المالية العمومية لا يمكن فصله عن احترام المقتضيات القانونية، مذكّراً بمضمون المادة 20 من القانون التنظيمي لقانون المالية، التي تنص على توجيه الاقتراض نحو الاستثمار أو سداد أصل الدين، وليس لتغطية نفقات التسيير، معتبراً أن أي حديث عن “مرونة” في هذا الإطار يطرح تساؤلات حول الوجهة الحقيقية للسياسة المالية.
وفي هذا السياق، توقف المسؤول الحزبي عند ما وصفه بـ“التمويلات المبتكرة”، مشيراً إلى أن الحكومة عبأت ما يقارب 160 مليار درهم خلال خمس سنوات عبر هذه الآليات، وهو رقم يفوق حسب تعبيره
مداخيل الخوصصة التي لم تتجاوز 103 مليار درهم خلال نحو 25 سنة، في مؤشر على تحوّل لافت في بنية تمويل الميزانية.
وأوضح الأزمي أن جزءاً من هذه التمويلات يقوم على آليات قريبة من تفويت بعض الأصول وإعادة كرائها، معتبراً أنها موارد ظرفية لا يمكن التعويل عليها بشكل دائم لضمان التوازنات المالية، كما أن إدراجها ضمن المداخيل قد يخفف ظاهرياً من حدة العجز دون معالجة جوهره.
وفي تقديره، فإن استبعاد أثر هذه الآليات قد يرفع عجز الميزانية إلى مستويات أعلى من المعلنة، بفارق قد يصل إلى ما بين 2 و3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ما يستدعي
حسب قوله قراءة مزدوجة للمؤشرات المالية، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الموارد ومصدرها.
وانتقد الأزمي أيضاً منهجية المقارنة المعتمدة في عرض الحصيلة، معتبراً أن اتخاذ سنة 2020 كمرجع يبقى “غير دقيق” بالنظر لظرفية الجائحة، داعياً إلى اعتماد سنة 2019 كقاعدة للمقارنة، حيث كانت نسبة المديونية في حدود 60 في المائة.
ورغم تسجيل تحسن في الموارد الجبائية، خاصة الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، اعتبر المتحدث أن هذا التطور يعود بالأساس إلى القانون الإطار للإصلاح الجبائي، الذي جاء ثمرة مناظرات وطنية سابقة، وليس نتيجة مباشرة لسياسات الحكومة الحالية، مضيفاً أن هذه الوفرة لم تُواكب حسب رأيه بتدبير احترازي يراعي التوازنات المستقبلية.
كما سجل ارتفاع مساهمات المؤسسات العمومية في الميزانية إلى حوالي 101 مليار درهم خلال هذه الولاية، مقابل 57 ملياراً بين 2017 و2021، و52 ملياراً بين 2012 و2016، معتبراً أن هذا التوجه يعكس ضغطاً متزايداً على هذه المؤسسات لتعبئة الموارد.
وبالموازاة مع ذلك، أشار الأزمي إلى أن الدين العمومي واصل منحاه التصاعدي ليتجاوز 1200 مليار درهم، في وقت بلغ فيه متوسط الاقتراض السنوي نحو 63 مليار درهم، مقابل 45.5 مليار درهم في الحكومات السابقة، وهو ما اعتبره مؤشراً على محدودية التحكم في المديونية.
وعلى مستوى النفقات، سجل المتحدث تسارعاً في نفقات التسيير التي ارتفعت حسب معطياته بنحو 9 في المائة سنوياً، إلى جانب ارتفاع نفقات المعدات والنفقات المختلفة، معتبراً أن الحكومة “وسّعت النفقات دون ترشيد كافٍ”، ما يزيد من الضغط على التوازنات المالية.
وختم الأزمي مداخلته بالتأكيد على أن الإشكال لا يرتبط فقط بالأرقام، بل بطبيعة الاختيارات المالية المعتمدة، داعياً إلى مزيد من الوضوح في عرض المعطيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز الثقة في المالية العمومية ويضمن استدامتها على المدى المتوسط والبعيد.
