بينما تتسابق القوى الإقليمية والدولية لحجز مقعد في قطار الصناعة السينمائية العالمية باستثمارات تكنولوجية ضخمة، يجد المغرب نفسه أمام تساؤلات متجددة حول مشروع “مدينة الإنتاج السينمائي” بورزازات؛ هذا الورش الذي أُعلن عنه منذ سنة 2007، لكنه ظل لسنوات طويلة في مرحلة الإعداد دون أن يتحول إلى واقع ملموس، قبل أن يعيده البرلماني رشيد حموني مؤخراً إلى الواجهة عبر مساءلة موجهة إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، كاشفاً عن عمق الإشكالات المرتبطة بتنزيل مشروع كان يُفترض أن يشكل رافعة استراتيجية لجهة درعة-تافيلالت.
إن استمرار هذا المشروع في دائرة الانتظار منذ تعاقب حكومات مختلفة لا يمكن اختزاله في مجرد “تأخر تقني” عابر، بل يعكس تعقيداً في مسار الحكامة وتداخل الاختصاصات، ما يطرح سؤال نجاعة آليات التتبع والتنسيق في المشاريع الكبرى.
فحين تستكمل الدراسات التقنية ويُوفَّر الوعاء العقاري، ثم يطول أمد التنفيذ دون توضيح مؤسساتي مفصل، يصبح من المشروع التساؤل عن مكامن التعثر وأسبابه الموضوعية.
هذا الجمود فتح المجال أيضاً أمام تساؤلات محلية متزايدة حول مستقبل التوطين الترابي للمشروع، في ظل حديث متداول عن احتمال مراجعة بعض الاختيارات السابقة. وهي تساؤلات، حتى وإن لم تُؤكَّد رسمياً، تعكس حساسية الموضوع بالنسبة لساكنة الإقليم، التي ترى في هذا الورش امتداداً طبيعياً لمؤهلات ورزازات التاريخية والبنيوية، وتجسيداً عملياً لمبدأ العدالة المجالية كما أقره الدستور.
الرهان اليوم لا يرتبط فقط بإطلاق المشروع، بل أيضاً بتحيين تصوره. فصناعة السينما العالمية سنة 2026 تختلف جذرياً عما كانت عليه في 2007، والمنافسة الإقليمية المتنامية من دول استثمرت بقوة في البنيات التحتية الرقمية، والاستوديوهات المتكاملة، ومنظومات التحفيز الضريبي، تفرض على المغرب مراجعة عرضه ليواكب التحولات الجديدة. ورزازات، التي راكمت لقب “هوليود إفريقيا”، تحتاج إلى انتقال نوعي من فضاء تصوير طبيعي إلى منصة إنتاج صناعي متكامل يخلق قيمة مضافة محلية في مجالات المؤثرات البصرية، والخدمات التقنية، والتكوين المتخصص.
لذلك، تبدو مساءلة الوزير اليوم لحظة مؤسساتية مهمة لإعادة ترتيب الأولويات وتقديم معطيات دقيقة للرأي العام حول الوضعية الحالية للمشروع، والعوائق المسطرية أو التمويلية إن وجدت، إضافة إلى تحديد أفق زمني واقعي للتنزيل.
فالقضية لم تعد مجرد إعلان مؤجل، بل أصبحت اختباراً لقدرة السياسات العمومية على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى مشاريع قائمة في الميدان.
ورزازات لا تطالب بامتياز استثنائي، بل بتفعيل مشروع ارتبط باسمها منذ ما يقارب عقدين. وبين الرؤية المركزية والتنزيل الترابي، يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة الثقة عبر وضوح القرار وتسريع وتيرة التنفيذ، حتى لا يتحول الانتظار الطويل إلى عبء على صورة التخطيط التنموي الوطني.
