لم يكن الجدل الذي فجرته تصريحات وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، مجرد “زلة لسان” عابرة في لقاء مهني، بل تحول إلى نقاش سياسي واسع كشف عن تصور ضيق لدى بعض دوائر القرار لطبيعة العلاقة مع مغاربة العالم، وكأنهم مجرد أرقام في جداول الاقتصاد، لا شركاء فعليين في بناء الوطن.
الوزير الذي اختار لغة فُهمت لدى كثيرين على أنها تحمل نبرة استغناء، لم يثر فقط موجة استياء وسط عدد من مغاربة الخارج، بل فتح نقاشاً حول واحدة من أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمملكة، في لحظة تتطلب خطاباً سياسياً منسجماً مع التوجهات الكبرى للدولة.
حين قال الوزير في مداخلته:
“الدخول للمغرب بالزعط… بلادك هادي، أنت فدارك واش خاصني نشكرك حيث جيتي لبلادك؟ … بحال إلا عطاك شي cadeau وكيستنى الترحيب… Reste là-bas. عندي الملايين ديال الكفاءات اللي كيتسناو الفرصة يخدمو”،
لم يُفهم الكلام لدى جزء من الجالية باعتباره مجرد تعبير عفوي في سياق حديث غير رسمي، بل قُرئ كرسالة تحمل نبرة استغناء في ملف يقوم أساساً على الشراكة بين الوطن وأبنائه في الخارج.
هذه التصريحات أشعلت نقاشاً واسعاً داخل أوساط الجالية المغربية المقيمة بالخارج، حيث عبّر عدد كبير من مغاربة العالم عن استيائهم من مضمونها، معتبرين أن المسألة لا تتعلق بالمطالبة بالشكر أو الامتنان، بل بطريقة مخاطبة ملايين المغاربة الذين ظلوا لعقود جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.
هذا الخطاب يضعنا أمام مفارقة واضحة؛ فالدولة التي تؤكد في تقاريرها الاقتصادية أن تحويلات الجالية تضخ ما بين 11 و13 مليار يورو سنوياً في الاقتصاد الوطني، وهي موارد تساهم في دعم احتياطي العملة الصعبة وتوازن الحسابات الخارجية، وجدت نفسها في قلب نقاش سياسي بسبب طريقة مخاطبة هذه الفئة الاستراتيجية.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد زوار موسميين، بل يمثلون رافعة اقتصادية حقيقية أثبتت الأزمات الدولية أن دورها يظل ثابتاً حتى في أكثر اللحظات الاقتصادية حساسية.
كما أن حديث الوزير عن وجود “ملايين الكفاءات” التي تنتظر الفرصة داخل الوطن أعاد إلى الواجهة نقاشاً آخر يتعلق بظاهرة نزيف الأدمغة التي تعرفها عدة قطاعات، حيث يغادر آلاف الأطباء والمهندسين والباحثين سنوياً نحو الخارج بحثاً عن ظروف مهنية أكثر استقراراً.
وهو واقع يجعل العلاقة مع الكفاءات المغربية بالخارج قضية استراتيجية تتطلب خطاباً سياسياً متوازناً يعزز الثقة بدل أن يفتح باب سوء الفهم.
وفي خضم هذا الجدل، برزت أيضاً أصوات داخل الجالية تدعو إلى مساءلة الوزير سياسياً حول هذه التصريحات، معتبرة أن المسؤول العمومي مطالب بالتحلي بدرجة عالية من المسؤولية في خطابه حين يتعلق الأمر بفئة تمثل امتداداً اقتصادياً وبشرياً مهماً للوطن.
وذهب بعض المتابعين إلى القول إن تصريحات مماثلة، لو صدرت في دول تقوم على تقاليد مؤسساتية صارمة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكانت كفيلة بإطلاق نقاش سياسي واسع حول استمرار المسؤول في منصبه وتقييم حصيلته التدبيرية.
ويزداد هذا النقاش عمقاً حين يُقارن بالرؤية التي عبّر عنها الملك محمد السادس في أكثر من خطاب رسمي، حيث أكد مراراً أن مغاربة العالم يشكلون قوة حية للأمة ورافعة أساسية للتنمية الوطنية.
كما شدد في مناسبات عديدة على ضرورة تحسين ظروف استقبال الجالية، وتبسيط المساطر الإدارية لفائدتها، وتشجيع استثماراتها داخل الوطن، مع الحرص على حماية مصالحها وصيانة حقوقها.
هذا التوجه يعكس تصوراً قائماً على اعتبار الجالية شريكاً استراتيجياً في التنمية، لا مجرد مصدر للتحويلات المالية.
ولذلك فإن أي خطاب قد يُفهم وكأنه يقلل من قيمة هذا الدور يثير حساسية خاصة لدى مغاربة الخارج الذين ظلوا عبر عقود يربطون مصيرهم الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب.
قد تمر التصريحات ويهدأ الجدل مع مرور الوقت، لكن السؤال الذي كشفته هذه الواقعة يظل قائماً: كيف ترى الدولة مغاربة العالم داخل مشروعها التنموي؟
هل كامتداد اقتصادي يوفر دعماً مهماً للاقتصاد الوطني؟
أم كشريك كامل في صياغة مستقبل تنافسي داخل اقتصاد عالمي شديد التحول؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تتحدد بالتصريحات وحدها، بل بمدى انسجام الخطاب السياسي مع السياسات العمومية، وبقدرة المؤسسات على ترجمة مفهوم الشراكة مع الجالية من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة الفعلية.
