عاد ملف دعم استيراد المواشي وإعادة تشكيل القطيع الوطني إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، لا من باب الأضحية وحدها، بل من باب السؤال الأكثر حساسية: من استفاد من المال العام، وبأي أثر على السوق والمواطن؟
المعارضة بمجلس النواب تلوّح هذه المرة بسلاح لجنة تقصي الحقائق، بحثاً عن جواب واضح حول واحد من أكثر الملفات التي التصقت بذاكرة المغاربة خلال السنوات الأخيرة. ملف دخل إلى التداول الشعبي تحت اسم “دعم الفراقشية”، بعدما وُجهت إليه انتقادات كثيرة بسبب غموض لوائح المستفيدين، وضبابية الأرقام، وضعف الأثر الملموس على أسعار اللحوم والأضاحي.
المفارقة أن الدعم قُدم للرأي العام باعتباره تدبيراً استثنائياً لإنقاذ القطيع الوطني وتخفيف الضغط على السوق، لكن المواطن البسيط ظل يواجه الأسعار وكأن الدعم مرّ من فوق رأسه دون أن يترك أثراً في جيبه. هنا بالضبط يبدأ السؤال السياسي، لا من السوق، بل من خزينة الدولة.
عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، قال إن الهدف من المبادرة هو كشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، وإنهاء حالة الغموض التي رافقت الملف منذ أكثر من سنة. كلام المعارضة هذه المرة لا يقف عند حدود انتقاد الأسعار، بل يذهب مباشرة إلى لائحة المستفيدين، وحجم الأموال المصروفة، ومدى وجود حالات محتملة لتنازع المصالح، ثم تقييم ما إذا كان الدعم قد وصل فعلاً إلى هدفه المعلن أم تحوّل إلى ملف يطرح أسئلة حول الحكامة وتوزيع الدعم.
الأغلبية، من جهتها، لا تبدو متحمسة كثيراً لفكرة تقصي الحقائق. بعض مكوناتها يقرأ المبادرة من زاوية انتخابية، ويرى أن توقيتها، في السنة الأخيرة من الولاية، يحمل خلفيات سياسية أكثر مما يحمل رغبة في الرقابة. لكن هذا الدفاع يفتح سؤالاً آخر أكثر إحراجاً: إذا كان الملف سليماً، والمعطيات واضحة، والنتائج إيجابية كما تقول الحكومة، فلماذا كل هذا التحفظ على آلية رقابية دستورية؟
الفرق كبير بين لجنة تقصي الحقائق ومهمة استطلاعية. الأولى تذهب نحو العمق، وتضع الملف تحت مجهر سياسي ومؤسساتي حاد. الثانية تتحرك بضوء أخف، وبكلفة سياسية أقل، وقد تنتهي بتقرير لا يزعج أحداً كثيراً. لذلك تبدو المعركة اليوم ليست فقط حول دعم المواشي، بل حول نوع الضوء الذي تريد المؤسسة البرلمانية تسليطه على المال العام.
رئيس الحكومة عزيز أخنوش اختار الدفاع عن حصيلة الحكومة، معتبراً أن بعض الأطراف تحاول تحويل موضوع الأضاحي إلى مادة للتجاذب السياسي والانتخابي. غير أن حصر النقاش في الأضحية وحدها لا يكفي لإغلاق الملف، لأن السؤال المطروح يتجاوز خروف العيد إلى مسار الدعم العمومي، وطريقة صرفه، ومدى انعكاسه على السوق والأسعار.
وتؤكد الحكومة أن قطاع تربية الماشية واجه منذ سنة 2020 ظروفاً استثنائية، ارتبطت بتداعيات جائحة كوفيد-19، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف، وهي عوامل أثرت بشكل مباشر على القطيع الوطني وعلى كلفة الإنتاج. غير أن هذه المعطيات، رغم أهميتها، لا تلغي الحاجة إلى توضيح تفاصيل الدعم، والكشف عن نتائجه، وتقييم أثره الحقيقي على المواطنين.
فالظروف الاستثنائية قد تبرر تدخل الدولة، لكنها لا تعفي من المحاسبة والشفافية. وحين يتعلق الأمر بأموال عمومية وُجهت إلى قطاع حساس يمس القدرة الشرائية للمغاربة، يصبح من حق البرلمان والرأي العام معرفة من استفاد، وكم استفاد، وما إذا كانت الأهداف المعلنة قد تحققت فعلاً على أرض الواقع.
الأخطر في هذا الملف أنه يضع الثقة العمومية أمام امتحان مباشر. فحين يطلب المواطن كشف لوائح المستفيدين من الدعم، فهو لا يطالب بترف سياسي، بل بحق مشروع في معرفة كيف صُرفت أموال عمومية باسم حماية السوق والقدرة الشرائية. وحين تستمر الأسعار في الارتفاع رغم برامج الدعم، يصبح السؤال مشروعاً حول مكامن الخلل في مسار التدخل العمومي.
لم يعد ملف المواشي مجرد نقاش موسمي يشتعل قبل العيد وينطفئ بعده، بل تحول إلى مرآة تعكس طريقة تدبير الدعم العمومي، وحدود الرقابة البرلمانية، وحساسية العلاقة بين المال العام والسوق والسياسة. وإذا كانت الحكومة ترى أن المعارضة توظف الملف سياسياً، فإن الرد الأكثر إقناعاً يبقى هو توفير المعطيات وفتح الباب أمام الفحص المؤسساتي.
إن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، في حال تحقق، لا يعني إصدار حكم مسبق على أي جهة، بل يمثل آلية رقابية من شأنها توضيح الصورة أمام الرأي العام، وترتيب المسؤوليات السياسية والمؤسساتية عند الاقتضاء. أما الاكتفاء بآليات أخف أو تأجيل النقاش، فقد يزيد من عمر الجدل، ويجعل سؤال المستفيدين من الدعم أكثر حضوراً في النقاش العمومي.
ويأتي هذا السجال في توقيت سياسي حساس، مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية، حيث تحاول المعارضة تحويل الملف إلى لحظة رقابية قوية، بينما تسعى الأغلبية إلى تفادي توسيع النقاش حول موضوع يحمل كلفة سياسية واضحة. وبين الطرفين، يبقى المواطن معنيا بالنتيجة قبل السجال، وبالأثر الملموس للدعم قبل الخطاب السياسي.
قد تكون الأضحية مجرد مدخل لهذا النقاش، لكنها تحولت إلى رمز أوسع لملف دعم عمومي لم تُشرح تفاصيله بما يكفي، ولسوق لم تنضبط كما كان منتظراً، ولمواطن وجد نفسه في نهاية السلسلة، يواجه الأسعار وينتظر الحقيقة.
