عاد ملف العلاقة بين المغرب وجزر الكناري إلى دائرة النقاش الإعلامي والسياسي في إسبانيا خلال هذه الأيام، عقب تعليق تحليلي بثته إحدى الإذاعات الإسبانية وأثار تساؤلات حول التوازنات الجيوسياسية في المحيط الأطلسي وموقع مدريد داخل شبكة التحالفات الغربية، في ظل التوترات الدولية المرتبطة بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
وكشفت تقارير إعلامية إسبانية أن الجدل بدأ بعد تعليق بثته إذاعة COPE في الثالث من مارس 2026 ضمن برنامج سياسي تناول تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط ومواقف الدول الأوروبية من العمليات العسكرية الأمريكية.
وخلال التحليل طرح أحد الصحفيين تساؤلاً سياسياً أثار نقاشاً واسعاً داخل إسبانيا، حين تحدث عن احتمال أن يستفيد المغرب من التحولات الجيوسياسية ليطرح مستقبلاً مسألة المياه الإقليمية المحيطة بجزر الكناري، في سياق المقارنة بين موقع مدريد وواشنطن داخل منظومة التحالفات الغربية.
غير أن هذا الطرح لم يكن خبراً عن مطالبة مغربية فعلية، بل جاء في إطار نقاش سياسي داخلي ينتقد موقف الحكومة الإسبانية التي أعلنت رفض استخدام القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها، خصوصاً قاعدتي روتا ومورون، في أي عمليات مرتبطة بالحرب ضد إيران.
وقد اعتبر بعض المعلقين أن هذا القرار قد يضع مدريد في موقع أكثر حساسية داخل التحالفات الغربية في لحظة دولية تتسم بتغير سريع في موازين القوى.
ويأتي هذا النقاش في سياق أوسع يتعلق بالتحولات الجيوسياسية في غرب المتوسط والمحيط الأطلسي، حيث شهدت العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تقارباً سياسياً وعسكرياً ملحوظاً.
وقد تعزز هذا التقارب منذ إعلان الإدارة الأمريكية سنة 2020 اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وهو تطور اعتبرته بعض التحليلات الإسبانية عاملاً يمنح الرباط وزناً متزايداً في قضايا الأمن الإقليمي والهجرة والطاقة في الفضاء الأطلسي والمتوسطي.
غير أن النقاش المتعلق بجزر الكناري يرتبط أساساً بملف قانوني وجغرافي قديم يتعلق بترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا في المحيط الأطلسي، وليس بمسألة السيادة على الأرخبيل.
فالمناطق البحرية القريبة من جزر الكناري قد تشهد تداخلاً محتملاً بين المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من المغرب وإسبانيا، وفقاً لقواعد قانون البحار التي تمنح الدول الساحلية حق استغلال الموارد الطبيعية البحرية إلى مسافة تصل إلى مئتي ميل بحري من سواحلها.
كما أن العلاقات المغربية الإسبانية عرفت عبر العقود ملفات متعددة مرتبطة بترسيم الحدود البحرية وإدارة المجال الأطلسي، وهو ما يجعل هذا الموضوع يظهر بشكل دوري في النقاشات الإعلامية والسياسية داخل البلدين، خصوصاً عندما يتقاطع مع تحولات جيوسياسية أوسع أو مع نقاشات داخلية حول السياسة الخارجية.
ويبدو أن الجدل الإعلامي الذي أثارته بعض وسائل الإعلام الإسبانية خلال هذه الأيام لا يعكس إعلاناً رسمياً أو مطالبة مباشرة من المغرب بجزر الكناري، بقدر ما يعكس نقاشاً سياسياً داخل إسبانيا حول موقعها في التوازنات الاستراتيجية الجديدة في الفضاء الأطلسي.
وهي نقاشات تعكس بدورها مرحلة دولية تتسم بإعادة ترتيب الأولويات والتحالفات، حيث تتحول قضايا الجغرافيا البحرية أحياناً إلى مرآة تعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي.
