صادق مجلس النواب، أمس الإثنين، على حزمة واسعة من القوانين والاتفاقيات الدولية، في جلسة بدا فيها التصويت سلساً أكثر من الأسئلة التي تفتحها النصوص المصادق عليها.
الأرقام وحدها تقول الكثير. 120 نائباً صوّتوا لصالح تعديل قانون التجزئات العقارية والمجموعات السكنية، و50 نائباً اختاروا الامتناع، دون تسجيل أي تصويت بالرفض. المشهد نفسه تقريباً تكرر مع تعديل مدونة الأدوية والصيدلة، كأن البرلمان كان أمام تمرين تشريعي هادئ، بينما الملفات المطروحة تمسّ العقار، الصحة، الاستثمار، الدواء، والجماعات الترابية.
المشروع المتعلق بالتجزئات العقارية قُدّم باعتباره خطوة لتحديث قانون يعود إلى سنة 1992، ومواكبة التحولات العمرانية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة. كلام جميل في ظاهره، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتبسيط المساطر وتقليص آجال الترخيص وتشجيع الاستثمار.
لكن خلف هذا العنوان الإداري الهادئ، يطل سؤال سياسي أكثر حساسية: هل التبسيط سيعني تسريع الاستثمار مع الحفاظ على الضمانات، أم سيصبح ممراً ناعماً لتخفيف الرقابة باسم الجاذبية الاقتصادية؟
النص الجديد يتحدث عن ملاءمة آجال إنجاز مشاريع التجزئات العقارية مع حجم المشاريع وطبيعتها، وتعزيز إحداث المرافق والتجهيزات العمومية، ونقل ملكيتها تلقائياً إلى الجماعات بعد التسلم المؤقت للأشغال، مع تحميل المنعشين العقاريين مسؤولية إصلاح العيوب والنقائص التي قد تظهر بعد الإنجاز.
على الورق، يبدو الأمر خطوة نحو تنظيم أفضل. لكن التجربة المغربية علمت المواطن أن النصوص لا تُقاس فقط بما تَعِد به، بل بما تمنعه من اختلالات، وبما تفرضه من مراقبة، وبما تضمنه من مرافق حقيقية لا من وعود عمرانية تنتهي عند حافة التجزئة.
المعارضة التقطت هذا الخيط حين نبهت إلى ضرورة ألا يتحول التبسيط الإداري إلى تفكيك للضمانات القانونية والرقابية. وهي ملاحظة تبدو صغيرة داخل جلسة تصويت، لكنها كبيرة داخل بلد يعرف جيداً أن أزمة التعمير ليست دائماً في كثرة القوانين، بل في المسافة بين الرخصة، والمرفق، والجودة، والمحاسبة.
في قطاع الصحة، صادق مجلس النواب بالأغلبية أيضاً على تعديل مدونة الأدوية والصيدلة، بنفس الأرقام تقريباً: 120 صوتاً مع المشروع، و50 امتناعاً، دون تسجيل أي تصويت بالرفض.
وقدمت الحكومة النص باعتباره جزءاً من تعزيز السيادة الصحية والأمن الدوائي الوطني، من خلال تقوية اليقظة الدوائية، ومراقبة سوق الأدوية، وتحسين آليات التفتيش، وتحديث نظام الترخيص، ومحاربة الأدوية المزيفة.
هذه عناوين أساسية في أي إصلاح صحي جاد، لأن الحديث عن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن يكتمل دون دواء آمن، ومنظومة مراقبة فعالة، وسوق دوائية تخضع لقواعد واضحة تحمي صحة المواطنين.
غير أن النقاش الذي ظل حاضراً بقوة يتعلق بأسعار الأدوية والقدرة الشرائية. فالمواطن لا يتعامل مع مدونة الأدوية من زاوية النصوص التنظيمية فقط، بل من باب الصيدلية، حين يجد نفسه أمام وصفة طبية قد تتحول كلفتها إلى عبء يومي على أسرته.
السيادة الصحية لا تكتمل فقط بمحاربة الدواء المزيف، بل أيضاً بمحاصرة كلفة الدواء حين تصبح عائقاً أمام العلاج. كما أن دعم الصناعة الدوائية الوطنية لا يكتسب معناه الاجتماعي الكامل إلا إذا انعكس أثره على المواطن، سواء من حيث الوفرة أو الجودة أو السعر المناسب.
ومن هنا، تبدو مراجعة الإطار القانوني خطوة مهمة، لكنها تبقى في حاجة إلى أثر ملموس يربط بين حماية السوق، وتقوية الرقابة، وضمان الحق في العلاج، حتى لا يتحول الإصلاح الدوائي إلى عنوان تقني جميل بعيد عن سؤال المواطن البسيط: هل سيجد الدواء؟ وهل سيستطيع أداء ثمنه؟
بالتوازي مع ذلك، صادق مجلس النواب بالإجماع على 22 مشروع قانون يهم اتفاقيات دولية، منها 17 اتفاقية ثنائية وخمس اتفاقيات متعددة الأطراف، في مجالات اقتصادية وقضائية وعسكرية ولوجستية.
وقدم وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، هذه الاتفاقيات باعتبارها جزءاً من دبلوماسية براغماتية تبحث عن أثر ملموس، لا عن توقيع بروتوكولي فقط. كما أشار إلى أن ثلثي هذه الاتفاقيات تهم القارة الإفريقية، وأن 40 في المائة منها تم توقيعها في مدينتي الداخلة والعيون، في إشارة سياسية ودبلوماسية واضحة إلى حضور الأقاليم الجنوبية داخل الحركة الخارجية للمملكة.
هنا تبدو الرسالة أقوى من النصوص نفسها. فحين تتحول الداخلة والعيون إلى فضاء لتوقيع اتفاقيات دولية، فإن الأمر لا يتعلق بصورة دبلوماسية عابرة، بل بتثبيت عملي لمكانة الصحراء المغربية داخل الشراكات الإفريقية والدولية.
غير أن كثافة الاتفاقيات لا ينبغي أن تحجب سؤال الجدوى. فالمغاربة لا ينتظرون فقط أن يسمعوا بعدد الاتفاقيات، بل ينتظرون أثرها على الاقتصاد، والاستثمار، والشغل، والقضاء، والأمن، والخدمات القنصلية. الدبلوماسية الناجحة ليست التي تراكم التوقيعات، بل التي تحول التوقيع إلى أثر قابل للقياس.
جلسة مجلس النواب كشفت، في النهاية، عن مفارقة سياسية هادئة. أغلبية تصادق، ومعارضة تمتنع، ولا أحد يصوت ضد. وبين التصويت والامتناع، تمر قوانين كبرى تمس العقار والدواء والانفتاح الدولي، بينما يبقى الرهان الحقيقي خارج لوحة التصويت: هل ستنتج هذه النصوص حكامة أقوى، أم ستضيف طبقة جديدة من الكلام الجميل فوق واقع يحتاج إلى رقابة أكثر وشفافية أكبر؟
المغرب لا يحتاج فقط إلى قوانين حديثة. يحتاج إلى قوانين لا تتحول إلى ممرات رخوة. يحتاج إلى استثمار، نعم، لكن باستثمار لا يبتلع المصلحة العامة. يحتاج إلى دواء آمن، نعم، لكن بسعر لا يكسر المواطن. ويحتاج إلى دبلوماسية نشيطة، نعم، لكن بأثر اقتصادي واجتماعي يلمسه الناس خارج قاعات البرلمان.
هنا بالضبط تبدأ السياسة، حين لا نكتفي بالتصويت على النصوص، بل نسأل من سيربح منها، ومن سيراقب تنفيذها، ومن سيدفع ثمن أي ثغرة تُترك مفتوحة باسم الإصلاح.
