بينما ينشغل الخطاب الحكومي بتقديم الأرقام المرتبطة بمناطق التسريع الصناعي، يعود النقاش الاقتصادي إلى سؤال أعمق: هل يسير المغرب نحو بناء قاعدة صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة، أم أنه يرسخ نموذجاً يقوم أساساً على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية اعتماداً على تنافسية الكلفة؟ خروج الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس بأرقام تتحدث عن 14 منطقة للتسريع الصناعي وما يقارب 155 ألف منصب شغل يقدم صورة إيجابية عن مسار هذا الورش، غير أن قراءة هذه المعطيات من زاوية اقتصادية أوسع تكشف وجود نقاش حقيقي حول طبيعة القيمة الاقتصادية التي ينتجها هذا النموذج.
فالجزء الأكبر من فرص الشغل المرتبطة بهذه المناطق يتمركز في أنشطة صناعية مرتبطة بالمناولة أو بسلاسل إنتاج دولية، حيث تبقى القيمة المضافة المحلية محدودة نسبياً مقارنة بحجم الصادرات المحققة.
وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول مدى قدرة هذه المناطق على تحويل المغرب من منصة إنتاج منخفضة الكلفة إلى اقتصاد صناعي قادر على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتطوير سلاسل إنتاج محلية متكاملة.
إن حصر نجاح هذا النموذج في عدد الهكتارات أو عدد مناصب الشغل يظل قراءة جزئية للمشهد الصناعي.
فالسؤال الذي يطرحه العديد من الباحثين في الاقتصاد الصناعي يتعلق أساساً بنسبة المكون المحلي في الصادرات التي تنتج داخل هذه المناطق.
كما أن حضور المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة داخل هذه المنظومة لا يزال محدوداً نسبياً، ما يجعل بعض هذه المناطق أقرب إلى فضاءات إنتاج مرتبطة أساساً بالأسواق الخارجية أكثر من ارتباطها بالنسيج الاقتصادي المحلي.
وفي هذا السياق، صادق مجلس الحكومة أيضاً على تعديل الإطار التنظيمي لمنطقة التسريع الصناعي بقصر المجاز، في خطوة تهدف إلى الاستجابة لحاجيات المستثمرين وتعزيز جاذبية المغرب داخل منظومة المبادلات التجارية الدولية.
غير أن توسع هذه المناطق يطرح بدوره سؤال التوازن المجالي، إذ تتركز غالبية المشاريع الصناعية الكبرى حول المحاور اللوجستية والموانئ الاستراتيجية، ما يعكس منطق الجاذبية الاقتصادية لكنه يعيد في الوقت نفسه النقاش حول الفوارق في توزيع الاستثمار بين الجهات.
كما أن رهان نقل التكنولوجيا يظل أحد أبرز التحديات المرتبطة بهذا النموذج الصناعي.
فالشركات الدولية التي تستقر داخل هذه المناطق تسعى في المقام الأول إلى تحسين تنافسيتها داخل الأسواق العالمية، وهو ما يجعل نقل المعرفة الصناعية إلى الاقتصاد المحلي رهيناً بوجود سياسات عمومية واضحة تشجع على البحث العلمي، وتدعم اندماج المقاولات الوطنية في سلاسل الإنتاج الصناعية.
إن نجاح التجربة الصناعية المغربية لا يقاس فقط بعدد المناطق الصناعية أو بحجم الاستثمارات المستقطبة، بل بمدى قدرتها على خلق قيمة مضافة محلية مستدامة.
فالتحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من نموذج يعتمد أساساً على تنافسية الكلفة إلى نموذج صناعي أكثر تقدماً يقوم على الابتكار، ونقل المعرفة، وتطوير قدرات الإنتاج الوطني.
فنجاح السياسات الصناعية لا يقاس بعدد الهكتارات أو بعدد الشركات المستقرة داخل هذه المناطق، بل بمدى قدرة الدولة على توطين القيمة الصناعية وربط الاستثمار الأجنبي بالمقاولة الوطنية.
وإلا سيظل المغرب مجرد محطة إنتاج ضمن سلاسل التجارة العالمية، تمر عبره الاستثمارات دون أن تتحول بالكامل إلى قيمة اقتصادية محلية مستدامة.
