بينما تنشغل الصالونات السياسية في الرباط بالحديث عن “عقد البرنامج” ومضاعفة أسطول الخطوط الملكية المغربية أربع مرات بحلول سنة 2037، يواجه المواطن المغربي، وبشكل خاص مغاربة العالم، واقعاً مختلفاً على شاشات هواتفهم؛ فثمن تذكرة طيران من مختلف دول العالم نحو المغرب قد يصل في ذروة الصيف إلى ما يعادل راتب شهر كامل، بل إن بعض الرحلات تعرف أسعاراً تفوق بكثير ما تعرضه شركات أخرى على الخطوط نفسها.
وفي هذه المفارقة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمسافرين، يعود الجدل حول العلاقة المعقدة بين الدعم العمومي الذي تستفيد منه الشركة الوطنية وأسعار التذاكر التي يؤديها المواطن.
كشفت مصادر إعلامية أن هذا النقاش عاد إلى الواجهة داخل البرلمان بعد سؤال كتابي وجهته النائبة عن الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية، حياة لعرايش، إلى وزير النقل واللوجيستيك عبدالصمد قيوح، حول مدى انسجام الدعم العمومي الذي تستفيد منه الخطوط الملكية المغربية مع استمرار ارتفاع أسعار التذاكر، خصوصاً خلال الفترات التي يعرف فيها السفر نحو المغرب إقبالاً كبيراً من طرف مغاربة العالم.
ويأتي هذا السؤال في سياق تنفيذ عقد البرنامج الموقع بين الدولة والخطوط الملكية المغربية للفترة الممتدة بين 2023 و2037، وهو الاتفاق الذي تراهن عليه السلطات لإعادة هيكلة الشركة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، عبر خطة توسع تقوم على مضاعفة الأسطول الجوي وتوسيع شبكة الخطوط.
غير أن هذه الاستثمارات، التي تعتمد جزئياً على موارد عمومية، تطرح في المقابل تساؤلات متزايدة حول انعكاساتها على كلفة السفر بالنسبة للمواطنين.
فمن الناحية النظرية، تعمل شركات الطيران داخل سوق دولي تنافسي تتحكم فيه عوامل عديدة، من بينها أسعار الوقود والطلب على السفر وتكاليف التشغيل.
غير أن خصوصية الخطوط الملكية المغربية تكمن في كونها شركة وطنية تستفيد من دعم الدولة، وفي الوقت نفسه تقدم نفسها كفاعل تجاري يعمل وفق قواعد السوق العالمية.
هذا التداخل بين المنطقين يثير نقاشاً متزايداً حول طبيعة العلاقة بين الدولة وشركتها الوطنية للطيران.
ويزداد هذا النقاش حساسية عندما يتعلق الأمر بمغاربة العالم، الذين يعتمدون بشكل كبير على النقل الجوي للحفاظ على صلتهم ببلدهم الأصلي. ففي مواسم العطل الصيفية أو المناسبات الدينية، ترتفع أسعار التذاكر بشكل ملحوظ، وهو ما يدفع كثيرين إلى التعبير عن استيائهم من كلفة السفر التي يعتبرونها مرتفعة مقارنة بفترات أخرى من السنة.
في المقابل، يشير خبراء في قطاع الطيران إلى أن تحديد أسعار التذاكر يخضع لمنطق اقتصادي معقد يرتبط أساساً بتوازن العرض والطلب، إضافة إلى المنافسة بين الشركات وتكاليف التشغيل المتغيرة.
ومع ذلك، يرى عدد من المتابعين أن استمرار النقاش حول أسعار التذاكر يعكس حاجة إلى مزيد من الوضوح بشأن طبيعة الدور الذي يفترض أن تؤديه الخطوط الملكية المغربية، باعتبارها في الوقت نفسه شركة تجارية وواجهة استراتيجية للنقل الجوي الوطني.
وبين طموح بناء شركة طيران قادرة على المنافسة في السوق الدولية، ومطالب المواطنين بأسعار أكثر توازناً، يظل السؤال الذي يتردد في النقاش العمومي بسيطاً في صياغته لكنه عميق في دلالاته: إذا كانت الموارد العمومية تساهم في تمويل توسع الشركة وشراء طائراتها، فأين ينعكس أثر هذا الدعم عندما يصل المواطن إلى مرحلة شراء التذكرة؟
