خلف غبار التصريحات “التقنية” التي أدلى بها رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، خلال استضافته في برنامج “نبض العمق” الذي تبثه منصات العمق المغربي، يبرز نقاش يتجاوز لغة الأرقام وجداول الأسعار الدولية.
فقد أكد رحو أن عودة التكرير النفطي في المغرب لن تؤدي بالضرورة إلى خفض أسعار الغازوال والبنزين للمستهلك، معتبراً أن السعر النهائي للمحروقات يبقى مرتبطاً بالسوق الدولية للمنتجات النفطية، سواء تم تكريرها محلياً أو استيرادها مكررة من الخارج.
غير أن خلف هذه المقاربة التقنية التي تركز على “تكافؤ الأسعار الدولية”، يبرز نقاش أوسع يتعلق ببنية سوق الطاقة في المغرب. فحصر النقاش في السعر العالمي للبرميل قد يُغفل عناصر أخرى داخل سلسلة القيمة، مثل هوامش التوزيع، وتكاليف اللوجستيك، وطبيعة المنافسة داخل السوق المحلية.
فعندما توقفت سامير عن العمل، تغيرت بنية السوق بشكل جذري. إذ انتقل نموذج التزويد بالمحروقات من نظام يجمع بين التكرير المحلي والاستيراد، إلى نموذج يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المنتجات النفطية المكررة.
وفي هذا السياق يرى عدد من المراقبين أن مفاتيح السوق المغربية قُدمت على طبق من ذهب لشركات الاستيراد والتوزيع، التي أصبحت الحلقة المركزية في سلسلة التوريد، بعدما تحولت من مجرد موزع إلى فاعل رئيسي يتحكم في عمليات الشراء الدولي والنقل والتخزين والتوزيع.
ولا يتعلق النقاش هنا فقط بهوامش الربح أو ببنية السوق الداخلية، بل يمتد أيضاً إلى سياق دولي يتسم بقدر كبير من عدم الاستقرار.
فالممرات البحرية التي تمر عبرها تجارة النفط العالمية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، أصبحت في السنوات الأخيرة أكثر عرضة للتوترات الجيوسياسية، وهو ما يجعل مسألة تأمين الإمدادات الطاقية قضية استراتيجية بالنسبة للدول المستوردة للطاقة.
وفي عالم تزداد فيه حساسية أسواق الطاقة للصدمات الجيوسياسية، يرى عدد من خبراء الطاقة أن الاقتصار على منطق السعر العالمي قد لا يكون كافياً لتقييم دور التكرير المحلي. فالمصافي في العديد من الدول لا تُنظر إليها فقط كوسيلة للتأثير في السعر النهائي للمحروقات، بل أيضاً كجزء من البنية الصناعية التي تمنح الدول هامشاً أكبر من المرونة في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية وسلاسل التوريد.
من هذه الزاوية، لا يُنظر إلى ملف سامير باعتباره مجرد قضية شركة توقفت عن العمل، بل باعتباره جزءاً من نقاش أوسع حول النموذج الطاقي الذي اختاره المغرب خلال العقد الأخير: نموذج يقوم أساساً على الاستيراد الكامل للمنتجات النفطية المكررة، في مقابل نموذج صناعي كان يمنح البلاد قدرة أكبر على المناورة داخل سوق عالمي متقلب.
هذا النموذج قد يكون منسجماً مع منطق السوق العالمية، لكنه في المقابل يثير أسئلة حول توازن المصالح داخل القطاع، خاصة وأن عودة التكرير المحلي يمكن أن تعيد تشكيل سلسلة القيمة في سوق المحروقات، وتضيف فاعلاً صناعياً جديداً في بنية السوق.
يبدو أن النقاش الحقيقي الذي تثيره تصريحات رئيس مجلس المنافسة لا يتعلق فقط بسعر لتر الغازوال في محطة الوقود، بل بسؤال أكبر: هل ينبغي أن تُختزل قضية السيادة الطاقية في حسابات الربح والخسارة، أم أن أمن الطاقة والصناعة الوطنية يجب أن يكونا جزءاً من المعادلة أيضاً في عالم تتزايد فيه تقلبات أسواق النفط وسلاسل الإمداد؟
