اختار حزب التجمع الوطني للأحرار، من خلال مبادرة “مسار المستقبل” التي انطلقت من الصخيرات، العودة بقوة إلى الواجهة التواصلية والسياسية، في خطوة تبدو محاولة لإعادة بناء حضوره في النقاش العمومي بعد سنوات من تدبير ملفات اجتماعية واقتصادية معقدة.
الحزب لا يكتفي بعرض حصيلته الحكومية، بل يقدم سردية سياسية تقوم على فكرة “مدرسة الكفاءات”، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن وزراءه ومنتخبيه ليسوا مجرد نخب إدارية بعيدة عن الواقع، بل فاعلون يعيشون تحديات المغاربة ويتفاعلون مع نبض المجتمع.
غير أن هذه السردية تضع الحزب مباشرة أمام اختبار الواقع الاجتماعي، حيث تبقى فكرة “الكفاءة” في نظر كثير من المواطنين مرتبطة أساساً بمدى انعكاسها على تحسين القدرة الشرائية وتخفيف الضغوط اليومية على الأسر.
اختيار قطاع الصحة كنقطة انطلاق لهذا المسار لم يكن اعتباطياً؛ فالحزب يدرك أن ورش الدولة الاجتماعية، وفي مقدمتها إصلاح المنظومة الصحية، يشكل أحد أهم الملفات التي سيُقاس من خلالها أداء الحكومة.
وحديث قيادات الحزب عن “جيل جديد من الإصلاحات” التي لم تكن محل إجماع كامل يعكس إدراكاً بأن بعض القرارات المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع قد تثير نقاشاً مجتمعياً واسعاً، لكنها تُقدَّم في خطاب الحزب باعتبارها “مبضع جراح” ضروري لإصلاح منظومة عانت لسنوات من اختلالات عميقة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في عرض هذه الإصلاحات، بل في قدرتها على تقليص ما يمكن وصفه بـ”فجوة الثقة” بين الخطاب السياسي وانتظارات المواطنين. فالدفاع عن الحصيلة الحكومية “دون مبالغة” يضع “الأحرار” أمام اختبار دقيق: كيف يمكن ترجمة المؤشرات الماكرو-اقتصادية الكبرى إلى أثر ملموس في “قفة” المواطن وحياته اليومية، خاصة في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد حساسية الرأي العام تجاه القضايا الاجتماعية؟
في العمق، يمثل “مسار المستقبل” عودة واضحة للحزب إلى العمل الميداني بعد فترة ركزت أساساً على التدبير الإداري من داخل المكاتب.
كما يمكن قراءة هذه المبادرة باعتبارها شكلاً من “جسّ النبض” السياسي والتنظيمي داخل الأغلبية الحكومية ووسط قواعد الحزب، في مرحلة تقترب فيها الولاية التشريعية من منعطفها الأخير في أفق سنة 2026. فالتحركات الميدانية من هذا النوع لا ترتبط فقط بالتواصل، بل تعكس أيضاً رغبة في إعادة تعبئة القواعد وترتيب الصفوف استعداداً لمعركة انتخابية سيكون محورها الأساسي: هل نجحت الدولة الاجتماعية في حماية المواطن فعلياً؟
هل ينجح هذا المسار في تحويل خطاب “مدرسة الكفاءات” إلى قناعة راسخة لدى الشارع، أم أن معيار الحكم الشعبي سيظل رهيناً بما يلمسه المواطن في جيبه وجودة الخدمات التي يتلقاها؟
