لم يكن البيان الذي أصدرته تنسيقية موظفي وزارة الداخلية المدنيين مجرد لائحة مطالب مهنية عابرة، بل بدا أقرب إلى جرس إنذار إداري داخل واحد من أكثر القطاعات حساسية في بنية الدولة المغربية.
فحين يطالب موظفو وزارة تُعتبر العمود الفقري للإدارة الترابية بـ“عدالة أجرية منصفة” وزيادة صافية لا تقل عن سبعة آلاف درهم، فإن الأمر يتجاوز النقاش التقني حول الرواتب ليطرح سؤالاً أوسع يتعلق بتوازنات تدبير الموارد البشرية داخل الجهاز الإداري للدولة.
كشفت مصادر إعلامية أن تنسيقية موظفي وزارة الداخلية المدنيين رفعت في بيان لها جملة من المطالب المهنية، في مقدمتها إقرار زيادة صافية لا تقل عن سبعة آلاف درهم لفائدة هذه الفئة، معتبرة أن هذا المطلب يندرج في إطار تحقيق عدالة أجرية داخل القطاع، خاصة في ظل ما عرفته بعض الفئات الإدارية الأخرى من مراجعات مهمة في أنظمتها الأساسية وتحسينات في أجورها خلال السنوات الأخيرة.
المطلب الذي رفعته التنسيقية يقوم على مقارنة واضحة بين وضعية الموظفين المدنيين داخل الوزارة وبين فئات أخرى داخل نفس المنظومة الإدارية، وعلى رأسها رجال السلطة الذين عرف نظامهم الأساسي مراجعات مهمة خلال السنوات الأخيرة.
وبالنسبة للموظفين المعنيين، فإن هذه المقارنة لا تُطرح من زاوية الصراع بين الفئات بقدر ما تُقدم كمسألة إنصاف مهني داخل قطاع واحد يؤدي فيه الجميع مهام مرتبطة بتدبير الشأن الترابي وتنفيذ السياسات العمومية.
وتشير المعطيات التي تضمنها البيان إلى أن النقاش حول وضعية موظفي وزارة الداخلية المدنيين لم يعد يقتصر على المطالب المالية، بل أصبح مرتبطاً بمجموعة من الإشكالات المهنية التي تراكمت عبر سنوات، من بينها مسألة المسار الإداري والترقيات والحركة الانتقالية، فضلاً عن ما تصفه بعض الهيئات المهنية بوجود ممارسات غير إدارية في تدبير الموارد البشرية، وعلى رأسها التنقيلات التي يعتبرها الموظفون غير مبررة في بعض الحالات.
هذا الجدل يعيد إلى الواجهة طبيعة التركيبة الإدارية لوزارة الداخلية، التي تجمع بين جهاز رجال السلطة من جهة، وموظفين مدنيين يشتغلون داخل العمالات والأقاليم والجماعات الترابية والمصالح المركزية من جهة أخرى.
ورغم أن هؤلاء الموظفين يشكلون جزءاً أساسياً من الآلة الإدارية التي تدير الشأن المحلي، فإن وضعهم المهني ظل، لسنوات طويلة، خارج دائرة النقاش العمومي مقارنة بقطاعات أخرى في الوظيفة العمومية.
المطالب التي رفعتها التنسيقية لا تقف عند حدود الزيادة الأجرية، بل تشمل أيضاً الدعوة إلى إعداد نظام أساسي خاص بموظفي وزارة الداخلية المدنيين، يضمن وضوح المسار المهني وإمكانية الترقي إلى درجات إضافية وتسريع وتيرة الترقي الإداري، إضافة إلى إقرار تحفيزات مادية ومعنوية تراعي طبيعة المسؤوليات المرتبطة بالعمل داخل هذا القطاع.
كما دعت التنسيقية إلى فتح نقاش جدي حول الحركة الانتقالية، التي تُعد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للموظفين العاملين في الإدارة الترابية، نظراً لارتباطها المباشر بالاستقرار الاجتماعي والمهني.
فبالنسبة للعديد من الموظفين، فإن غياب معايير واضحة وشفافة في تدبير هذه الحركة يخلق شعوراً بعدم اليقين داخل الجهاز الإداري.
وتشمل المطالب أيضاً تسوية وضعية حاملي الشهادات داخل القطاع، من خلال تنظيم مباريات مهنية داخلية تتيح الاستفادة من المؤهلات العلمية للموظفين، مع تمكين الحاصلين على شهادة الدكتوراه من الالتحاق بهيئة التدريس الجامعي وفق المساطر القانونية المعمول بها، وهو مطلب يعكس توجهاً نحو تثمين الرأسمال البشري داخل الإدارة.
وفي السياق ذاته، أعادت التنسيقية إثارة النقاش حول مؤسسة الأعمال الاجتماعية التابعة للقطاع، مطالبة بإصلاح وضعيتها ومعالجة الاختلالات التي تعاني منها، خصوصاً في ما يتعلق بضعف الخدمات المقدمة للموظفين مقارنة بحجم الاقتطاعات التي تُخصم من أجورهم.
غير أن هذا الملف يطرح أيضاً سؤالاً أوسع يتعلق بمستقبل العدالة الأجرية داخل الوظيفة العمومية المغربية.
فخلال السنوات الأخيرة عرفت عدة قطاعات مراجعات مهمة لأنظمتها الأساسية وزيادات في الأجور، سواء في قطاعات التعليم أو الصحة أو بعض المؤسسات العمومية، وهو ما جعل عدداً من الفئات المهنية الأخرى تعيد طرح مطالبها في إطار البحث عن نوع من التوازن بين مختلف مكونات الإدارة.
غير أن خصوصية هذا الملف تكمن في أن وزارة الداخلية لا تُعد مجرد قطاع إداري كبقية القطاعات، بل تُوصف في الأدبيات السياسية والإدارية بـ“أم الوزارات”، نظراً لدورها المركزي في تدبير الشأن الترابي وضبط إيقاع الإدارة المحلية.
ولذلك فإن أي نقاش حول أوضاع موظفيها المدنيين لا يُقرأ فقط من زاوية مطلب مهني محدود، بل من زاوية أوسع تتعلق بتوازنات الحكامة داخل الجهاز الإداري للدولة.
وفي هذا السياق، تبدو “صرخة الـ7000 درهم” أكثر من مجرد مطلب مالي؛ فهي تعكس انتقال النقاش من المطالب الصامتة داخل المكاتب الإدارية إلى نقاش علني حول الإنصاف المهني داخل واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في الدولة.
ومع اتساع المقارنات بين مختلف فئات الوظيفة العمومية، قد يتحول هذا الملف إلى اختبار حقيقي لقدرة الإدارة المغربية على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الحكامة المالية ومطالب العدالة المهنية داخل مؤسساتها.
وفي انتظار تفاعل الجهات المعنية مع هذه المطالب، يبدو أن النقاش الذي فتحه موظفو وزارة الداخلية المدنيون قد يتجاوز حدود قطاعهم ليصبح جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الحكامة الإدارية والعدالة المهنية داخل مؤسسات الدولة.
ففعالية الإدارة العمومية لا ترتبط فقط بصرامة القوانين أو قوة المؤسسات، بل أيضاً بمدى شعور موظفيها بالإنصاف والاستقرار المهني، وهو عنصر لا يقل أهمية عن أي إصلاح مؤسساتي آخر.
