دخل مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة جديدة من الشدّ المؤسسي، بعد البيان الصادر عن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، بتاريخ 5 يونيو 2026 بالرباط، والذي حمل نبرة قوية تعكس حجم القلق داخل جسم الدفاع من المسار الذي يعرفه هذا النص التشريعي الحساس.
البيان لم يأت في فراغ. فقد صدر عقب اجتماع مفتوح لمكتب الجمعية، وبعد استحضار خلاصات ندوة النقباء المنعقدة بالرباط يوم 30 ماي 2026، وما رافق مشروع قانون المهنة من نقاشات داخل مجلس المستشارين، ومن اتصالات ومشاورات خلال الفترة الأخيرة.
وهذا يعني أن الأمر لم يعد مجرد رد فعل مهني عابر، بل موقف مؤسساتي محسوب، صادر عن هيئة تعرف جيداً ثقل اللحظة ودقة الرسائل.
في جوهر البيان، تؤكد جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن النقاش حول مشروع قانون المحاماة لم يعد نقاشاً تقنياً حول مواد قانونية قابلة للتعديل والصياغة فقط، بل تحول إلى نقاش أوسع حول موقع المحاماة داخل منظومة العدالة، وحول حدود المساس باستقلال المهنة ورمزيتها وأدوارها التاريخية في الدفاع عن الحقوق والحريات وسيادة القانون.
ولذلك، بدا البيان وكأنه يضع الملف في إطاره الحقيقي: المحاماة ليست مرفقاً مهنياً معزولاً عن سؤال العدالة، وليست مجرد تنظيم داخلي لأصحاب البذلة السوداء، بل هي جزء من الضمانات التي يحتاجها المواطن قبل أن تحتاجها المهنة. فحين تضعف المحاماة، لا يخسر المحامي وحده، بل يخسر المتقاضي جزءاً من حقه في دفاع مستقل وفاعل.
الأكثر دلالة في البيان هو تجديد النقباء تشبثهم بقرار الاستقالة، وتقديم هذا القرار باعتباره موقفاً نضالياً ومسؤولاً، يعكس حجم القلق والانشغال إزاء ما تعتبره الجمعية هجمات ممنهجة ومتعددة المصادر تستهدف المهنة. وبغض النظر عن اختلاف القراءات، فإن وصول النقباء إلى هذه الدرجة من التعبير المؤسساتي يؤكد أن العلاقة بين جسم المحاماة والجهات المشرفة على المسار التشريعي دخلت منطقة حساسة، تحتاج إلى إنصات سياسي وقانوني حقيقي.
ولم يقف البيان عند تسجيل الاعتراض، بل ثمّن مواقف مجالس الهيئات والجمعيات العمومية للمحاميات والمحامين، معتبراً أنها عبّرت عن وعي جماعي بحساسية المرحلة، وعن قدرة المهنة على الدفاع عن وحدتها واستقلالها ومكانتها داخل منظومة العدالة.
وهي إشارة واضحة إلى أن الاحتجاج لم يعد موقفاً نخبوياً محدوداً، بل صار امتداداً مهنياً واسعاً داخل مكونات منظومة العدالة.
كما أكد مكتب جمعية هيئات المحامين أن أي مقاربة لا تعكس الرسالة الحقيقية للمحاماة، بتاريخها ومؤسساتها وأعرافها وتقاليدها، ولا تستجيب لمصلحة العدالة ومرتفقيها، لن تكون مقبولة. فالرسالة هنا تتجاوز لغة الاعتراض التقليدي، لتقول إن القانون حين يتعلق بمهنة الدفاع لا يمكن أن يصاغ بمنطق الغلبة العددية أو التدبير التقني البارد، بل ينبغي أن يقوم على التوافق والثقة واحترام ذاكرة المهنة ودورها الدستوري والمجتمعي.
ومن بين العبارات القوية التي حملها البيان، تأكيد الجمعية أن أي قانون يناقض أعراف وتقاليد المهنة ومبادئها الكونية أمر لا يمكن القبول به، وأن محامي المغرب لن يكونوا معنيين به.
هذه العبارة وحدها تكشف أن الملف بلغ مستوى متقدماً من التوتر، وأن مشروع القانون، إذا لم تتم إعادة ضبط مساره، قد يتحول من ورش إصلاحي إلى عنوان تصعيد مهني مفتوح بين المهنة والجهات المعنية بالمسار التشريعي.
وتزداد قوة البيان حين يعلن مكتب الجمعية أن المرحلة الراهنة تستوجب مزيداً من التعبئة واليقظة والمسؤولية، وصون وحدة الصف المهني والهوية التاريخية للمحاماة.
فالخطاب هنا لا يتحدث فقط عن رفض نص، بل عن حماية معنى رمزي عميق: معنى أن تكون المحاماة مهنة حرة ومستقلة، لا مجرد وظيفة قانونية تؤدي دوراً داخل قاعة المحكمة.
كما أعلن المكتب وضع نفسه رهن إشارة الجمعيات العمومية وندوة النقباء من أجل تسطير برنامج نضالي غير مسبوق ومستمر إلى حين تحقيق الأهداف، مع الإبقاء على اجتماعاته في حالة انعقاد دائم. وهذا تطور مهم في لغة البيان، لأنه ينقل الملف من مرحلة التحفظ إلى مرحلة الاستعداد للتصعيد المنظم، ويجعل الأيام المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات.
سياسياً ومؤسساتياً، يضع هذا البيان الجهات المعنية أمام امتحان دقيق. فإما أن يُفتح حوار حقيقي يعيد الثقة إلى مسار مشروع القانون، وينصت إلى الهواجس المهنية والقانونية المطروحة، أو يستمر التباعد بين الطرفين بما قد ينعكس على صورة إصلاح العدالة وعلى علاقة الدولة بجسم مهني ظل تاريخياً جزءاً من معارك الحقوق والحريات.
وليست المسألة، كما قد يحاول البعض تبسيطها، معركة امتيازات مهنية أو دفاعاً عن وضع خاص. إنها في عمقها سؤال عن الضمانات. وسؤال الضمانات في العدالة لا يخص المحامي وحده، بل يخص المواطن أيضاً. فالدفاع المستقل ليس ترفاً، والمحاماة القوية ليست عبئاً على العدالة، بل شرط من شروط توازنها.
إن مشروع قانون المحاماة، وهو يمر من هذه المرحلة الحساسة، يحتاج إلى أكثر من أغلبية تصادق، وأكثر من مسطرة تمضي إلى نهايتها. يحتاج إلى حكمة تشريعية، وإلى حوار جدي، وإلى إدراك أن تنظيم مهنة الدفاع لا يمكن أن يتم ضد ذاكرة المهنة ولا خارج مؤسساتها ولا فوق صوت أهلها.
بيان جمعية هيئات المحامين بالمغرب لم يغلق الباب، لكنه رفع السقف. وضع المشروع تحت مجهر الثقة، وذكّر بأن العدالة لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل تُبنى أيضاً بمن يحرسون حق المواطن في الدفاع، وبالمسافة الضرورية بين القانون حين يُكتب، والعدالة حين تُمارس.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف بين المحامين ومشروع قانون. إنه اختبار سياسي وقانوني لطريقة صناعة الإصلاح في المغرب.
فحين يتعلق الأمر بمهنة ترتبط بالحرية والحق والدفاع، لا يكفي أن يكون النص قانونياً في شكله، بل يجب أن يكون عادلاً في روحه، مقنعاً في مساره، ومحترماً للمكانة التي تحتلها البذلة السوداء داخل دولة القانون.
