أعاد إدريس الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في السياسة المغربية: هل الملك هو من يحكم في المغرب؟.
الكنبوري انطلق من الحملة التي استهدفت عبد الإله بنكيران بعد تصريحه في لقاء بطانطان بأن “الملك هو الحاكم الفعلي في البلاد”، مشيراً إلى أن كثيرين اعتبروا هذا الكلام إساءة إلى الملكية والمؤسسات والحكومة والدستور.
غير أن الكنبوري لم يتعامل مع هذه الحملة بوصفها نقاشاً دستورياً بريئاً، بل اعتبرها، حسب تعبيره، “حملة طبعا سياسية تريد النيل من بنكيران وحزبه”، مضيفاً أنها “تظهر من خلال الوجوه التي أطلقتها”، قبل أن يصفها بأنها “حملة مخدومة وغير نظيفة”.
وبحسب الكنبوري، فإن ما قاله بنكيران ليس جديداً، ولا يشكل خروجاً عن مألوف النقاش السياسي المغربي. فقد ذكّر بأن “هذا الكلام قاله بنكيران عام 2012 في لقائه مع قناة الجزيرة وهو رئيس للحكومة”، كما استحضر قول المحجوبي أحرضان في لقاء انتخابي عبارته الشهيرة التي “نسيها الكثيرون”: “آآالهم، را الملك هو اللي كيحكم”.
ولم يقف الكنبوري عند بنكيران وأحرضان، بل عاد إلى القاموس السياسي الرسمي في عهد الحسن الثاني، حين كان “الإعلام الرسمي والحكومات” يرددان المعنى نفسه بطريقة أخرى، من خلال وصف الحكومة بأنها “حكومة جلالة الملك”.
المفارقة، كما يبرزها الكنبوري، أن العبارة لا تثير الغضب دائماً، بل يتغير الحكم عليها حسب صاحبها. فقد أشار إلى أن عزيز أخنوش، خلال تقديم حصيلة حكومته أمام البرلمان، “قالها عدة مرات بصيغ متعددة”، حين ردد بأن ما قامت به حكومته “ليس إلا تنفيذا لتعليمات وتوجيهات جلالة الملك”.
وهنا يطرح الكنبوري جوهر التناقض: لماذا لم يتحرك أحد لمهاجمة أخنوش؟ لماذا لم تُعتبر عبارته إساءة إلى الحكومة أو الدستور؟ ولماذا يصبح الكلام نفسه خطيراً حين يصدر عن بنكيران، ومقبولاً حين يصدر عن رئيس حكومة آخر؟.
الكنبوري ذهب أبعد من ذلك حين كتب بأن أخنوش، إذا كان يقول الحقيقة، فإن النتيجة السياسية ستكون ثقيلة: “الملك هو المسؤول عن غلاء المعيشة وعن المشاكل التي خلقتها حكومته”. ومن هنا استحضر الفيديو الذي سجله على قناته في يوتيوب بعنوان ساخر ودال: “أخنوش للمغاربة: صوتوا على الملك!”.
هذه الجملة ليست مجرد عنوان ساخر، بل تلخيص لمأزق سياسي واضح. فالحزب الذي يطلب من المواطنين التصويت عليه، ويقدم برنامجاً انتخابياً، لا يمكنه بعد الوصول إلى السلطة أن يختصر نفسه في مجرد منفذ للتوجيهات، ثم يتهرب من كلفة النتائج حين ترتفع الأسعار وتتراكم المشاكل الاجتماعية.
واللافت في تدوينة الكنبوري أنه استحضر أيضاً الخطاب الملكي نفسه ضد من يحاولون الاحتماء بالقصر لتفادي المساءلة. فقد أشار إلى أن الملك سبق أن انتقد “من يختفون وراء القصر الملكي إذا أساؤوا التدبير، فإذا أحسنوا نسبوا ذلك إلى أنفسهم”.
كما ذكّر بعبارة ملكية قوية من سنة 2019: “لا مجال للتهرب من المسؤولية”، مضيفاً أن الملك نفسه سبق أن قال بأن تعليماته “لا تنفذ كما ينبغي”.
هنا تصبح المسألة أوضح: المشكلة ليست في الاعتراف بدور الملك داخل النظام السياسي المغربي، بل في استعمال هذا الدور للهروب من المسؤولية. فالحكومة لا يمكنها أن تنسب الإنجازات إلى نفسها، ثم تعلق الإخفاقات على “التعليمات”. والوزراء لا يمكنهم أن يطلبوا السلطة بأصوات الناخبين، ثم يتصرفوا كأنهم بلا سلطة حين يحين وقت الحساب.
في هذا السياق، اعتبر الكنبوري أن بنكيران، “خلافا لجميع رؤساء الحكومات وآخرهم أخنوش”، كان الوحيد الذي امتلك “الشجاعة للفصل بين الحكومة والملك”. فقد كان، حسب تعبيره، “يصرح بأنه اتخذ القرارات التي تتعرض اليوم للهجوم”، وهو من قال إنه ألغى صندوق المقاصة، دون أن يرمي تلك القرارات على القصر.
وكتب الكنبوري عبارة لافتة في هذا الباب: “ولتقول ذلك يجب أن تكون وطنيا حقيقيا”، قبل أن يضيف أن بنكيران، رغم أنه “كان يتلقى اتصالات من مستشاري الملك”، فقد “حرص على ترك القصر بعيدا”.
بهذا المعنى، لا يدافع الكنبوري عن بنكيران بوصفه سياسياً بلا أخطاء، بل يميز بين من يتحمل مسؤوليته السياسية، ومن يلجأ إلى المؤسسة الملكية كلما ضاقت به مساحة المحاسبة. فبنكيران يمكن انتقاده على قراراته، ويمكن مساءلته عن آثارها، لكنه في قراءة الكنبوري لم يحول القصر إلى مظلة لتبرير اختيارات حكومته.
ثم يصل الكنبوري إلى الجملة المركزية في تدوينته حين يقول: “الملك هو من يحكم، نعم”. غير أنه لا يورد هذه العبارة في سياق اتهامي أو مسيء، بل باعتبارها توصيفاً لواقع سياسي واجتماعي يعرفه المغاربة جيداً. فالملك، بحسب ما يورده الكنبوري، “يتدخل حين يحتاج الأمر إلى ذلك”، والمغاربة جميعاً يدركون أن “الملك هو الحاكم الفعلي عندما تنغلق في وجوههم الأبواب”.
وتكمن قوة هذه الفكرة في أنها لا تستند فقط إلى قراءة دستورية أو سياسية، بل إلى تجربة اجتماعية يومية يعيشها المواطنون مع الإدارة والحكومة والمؤسسات. فحين يشعر المواطن بأن الوسائط لم تعد قادرة على إنصافه، لا يتوجه بندائه إلى الوزير أو رئيس الحكومة أو الحزب الذي وعده، بل يرفع نداءه إلى الملك.
ومن هنا يستحضر الكنبوري صورة بالغة الدلالة حين يقول إن المغرب هو البلد الذي “يتظاهر فيه المظلوم من المؤسسات والحكومات وهو يرفع صورة الملك”. وهذه ليست صورة عابرة، بل علامة عميقة على طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وعلى موقع الملكية في وجدان المغاربة باعتبارها آخر ملاذ حين تفشل القنوات العادية في الاستجابة لمطالب الناس.
وفي هذا السياق، أورد الكنبوري مثالاً مؤلماً لمواطن قال إنه شاهده في مقطع فيديو، بعدما حُرمت ابنته المريضة من دواء كانت تستفيد منه لمدة اثنتي عشرة سنة، فحملها من خنيفرة إلى الرباط، ووضعها أمام باب وزارة الصحة، وطلب من الملك التدخل لإنقاذ ابنته.
وقد لخّص الكنبوري تلك الصورة بعبارة قوية في دلالتها حين قال: “مواطن يطلب من الملك التدخل من أجل علبة دواء!”.
هذه العبارة تختصر جزءاً كبيراً من الإشكال. فهي لا تتحدث فقط عن دواء، بل عن تعثر الوسائط الإدارية والحكومية، وعن مواطن وجد نفسه مضطراً إلى رفع نداء ملكي في ملف كان يفترض أن تعالجه إدارة أو وزارة أو مسؤول مباشر. وهنا لا تكمن المشكلة في المواطن الذي يناشد الملك، بل في المؤسسات التي دفعته إلى قطع الطريق من خنيفرة إلى الرباط من أجل حق علاجي بسيط.
لذلك تبدو خلاصة الكنبوري واضحة ومباشرة حين يقول: “المغاربة يفهمون لكن السياسيين يكذبون”.
فالمغاربة يدركون أن الملك حاضر في الحكم وفي القرارات الكبرى، ويدركون في الوقت نفسه أن الحكومة مسؤولة عن التدبير اليومي للسياسات العمومية. كما يميزون بين التوجيه الملكي وسوء التنفيذ، ويفهمون أن أخطر ما يمكن أن يفعله السياسي هو أن يستعمل المؤسسة الملكية عند الفشل، ثم ينسب النجاح إلى نفسه عند أول فرصة.
وبهذا المعنى، لا تبدو تدوينة الكنبوري دفاعاً مطلقاً عن بنكيران، ولا هجوماً على الملكية، بل محاولة لإعادة النقاش إلى موقعه الصحيح: عدم تحويل الملكية إلى شماعة للفشل، وعدم استعمال الدستور فقط في مواجهة الخصوم، وعدم مطالبة المواطنين بتصديق أن الحكومة مسؤولة حين تنجح، وغير مسؤولة حين تفشل.
فالسياسة لا تُدار بالاختباء. والمؤسسات لا تُحمى بالنفاق السياسي. والملكية لا تدافع عنها الحملات الانتقائية، بل تحميها حكومة تتحمل مسؤوليتها، وأحزاب تقول الحقيقة، ومسؤولون لا يلجؤون إلى القصر كلما اقترب منهم سؤال المحاسبة.
المغاربة يفهمون.
وهذه بالضبط هي المشكلة التي تزعج بعض السياسيين.
