تواصل مجلة “ملفات”، في تحقيقها حول “حكومة اللوبيات.. 76 مليار درهم من الدعم العمومي في مهب الريح”، تتبع الخيط الذي يربط بين الدعم العمومي وسلاسل إنتاج اللحوم الحمراء، لكنها تنتقل في هذا الباب إلى منطقة أكثر حساسية: الفيدراليات والجمعيات المهنية التي تتحرك بين تمثيل المنتجين، وتأطير القطاع، والمشاركة في مسارات توزيع الدعم.
في هذا الجزء، لا تقف المجلة عند كلفة الأعلاف، ولا عند هوامش الاستيراد، ولا عند الفارق بين ثمن الجمارك وسعر المستهلك، بل تتقدم نحو سؤال البنية التنظيمية التي تمر عبرها السياسات العمومية داخل القطاع.
والسؤال هنا ليس تقنياً فقط.
إنه سؤال حكامة.
فحين تختار الدولة أن تدعم قطاعاً حساساً عبر قنوات مهنية، يصبح من الضروري معرفة طبيعة هذه القنوات، ومن يمثلها، ومن يستفيد من عضويتها، وكيف تُدار، وما مدى خضوعها للشفافية والمراقبة.
حسب ما نشرته مجلة “ملفات”، فإن كل أزمة أسعار تمس القطاعات الحيوية، من المحروقات إلى الأعلاف، تجد الحكومة أمام خيارين: إما الذهاب نحو إصلاحات هيكلية تعالج أسباب الاضطراب، أو اللجوء إلى الدعم المباشر باعتباره آلية سريعة لتخفيف الضغط.
غير أن المجلة ترى أن هذا الدعم، حين يمر عبر قنوات تهيمن عليها مجموعات اقتصادية أو تنظيمات مهنية قوية، دون شروط واضحة للشفافية وربط الاستفادة بخفض الأسعار، قد يتحول من أداة اجتماعية إلى آلية لإعادة إنتاج الاختلال نفسه.
هنا تظهر أهمية ما تسميه المجلة “لوبي إنتاج اللحوم الحمراء”.
فالأمر لا يتعلق فقط بمربين متفرقين أو كسابة صغار داخل الأسواق الأسبوعية، بل ببنية مهنية منظمة تضم جمعيات وفيدراليات واتحادات، بعضها يوجد في قلب العلاقة بين الدولة والقطاع.
وتشير المجلة إلى الفيدرالية البيمهنية للحوم الحمراء FIVIAR، باعتبارها إطاراً جامعاً لعدد من مكونات سلسلة اللحوم الحمراء، من الإنتاج إلى التثمين والتحويل ثم التسويق.
ضمن محور الإنتاج، تورد المجلة أسماء جمعيات مهنية من بينها الجمعية الوطنية لمنتجي اللحوم الحمراء ANPVR، والجمعية الوطنية للأغنام والماعز ANOC، والجمعية الوطنية لمربي الأبقار ANEB، إضافة إلى التعاونيات الفلاحية COPAG.
وفي محور التثمين والتحويل، تشير إلى الجمعية الوطنية للمجازر الخاصة أو المسيرة من طرف الخواص ANAP، والجمعية المغربية لمصنعي اللحوم AMIV، والجمعية الوطنية لتحويل اللحوم الحلال ANTVH.
أما في محور التسويق، فتورد أسماء مثل الجمعية الوطنية لتجار اللحوم بالتقسيط ANB، والجمعية الوطنية لبائعي اللحوم بالجملة ANC.
هذه الخريطة، كما تعرضها مجلة “ملفات”، تكشف أن سلسلة اللحوم الحمراء لا تشتغل فقط عبر السوق بمعناه البسيط، بل عبر هندسة مهنية ومؤسساتية واسعة، يفترض أن تؤطر القطاع وتدافع عن مصالحه.
لكن السؤال الذي تفتحه المجلة هو: متى يتحول التمثيل المهني من وسيلة لتنظيم السوق إلى قناة تأثير في القرار العمومي؟.
ومتى يصبح القرب من مسارات الدعم جزءاً من بنية القوة داخل القطاع؟.
في هذا السياق، تتحدث المجلة عن دعم كبير وجهته الدولة في السنوات الأخيرة إلى مربي الماشية، سواء من خلال الشعير والأعلاف المركبة أو من خلال برامج دعم القطيع.
وتشير إلى أن الدولة ضخت سنة 2023 ما يقارب 5 مليارات درهم لاقتناء الشعير والأعلاف المركبة وتوزيعها على مربي الماشية، قبل أن تعود سنة 2025 إلى تخصيص غلاف مالي جديد لدعم القطيع وإعادة تكوينه، في سياق الضغط الذي عرفته سلاسل الإنتاج الحيواني.
لكن المجلة لا تتوقف عند الرقم.
هي تضعه في مواجهة سؤال التوزيع.
من يحدد المستفيدين؟.
من يملك القدرة على الوصول إلى الدعم؟.
هل يصل الدعم إلى المربي الصغير بالفعالية نفسها التي يصل بها إلى الفاعلين المنظمين؟.
وهل تخضع الجمعيات والفيدراليات التي تشارك في التأطير أو التوجيه أو التوزيع لمراقبة كافية تضمن أن المال العمومي لا يتعثر داخل بنيات الوساطة؟.
تزداد حساسية هذا السؤال حين تشير مجلة “ملفات” إلى الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز ANOC، التي تقدمها بوصفها واحدة من الواجهات المهنية الأساسية داخل قطاع إنتاج اللحوم الحمراء.
فالمجلة تتوقف عند شكاية قالت إن متخصّصين داخل الجمعية وضعوها لدى المجلس الأعلى للحسابات، من أجل فتح تحقيق وبحث في شبهة اختلالات وتبديد للمال العام وغياب الحكامة في تدبير شؤون الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز.
وهنا ينبغي التوقف عند الدقة القانونية.
الأمر، كما تعرضه المجلة، يتعلق بشكاية ومطالب بالتحقيق، لا بحكم قضائي نهائي.
لكن مجرد وجود هذه المعطيات داخل تحقيق صحفي يجعل سؤال الحكامة داخل القنوات المهنية سؤالاً مشروعاً، خصوصاً حين تكون هذه القنوات قريبة من برامج الدعم العمومي أو من تنظيم القطاع.
وتضيف المجلة أن بعض الأعضاء السابقين أو المرتبطين بهذا المسار المهني تحركوا داخل تنظيم مهني آخر يحمل اسم “فيدرالية مغرب اللحوم الحمراء”، وهو ما يعكس، في نظرها، توتراً داخل التمثيل المهني نفسه، ونقاشاً حول من يتحدث باسم المربين، ومن يفاوض باسمهم، ومن يتولى الوساطة بينهم وبين الدولة.
هذه النقطة مهمة، لأنها تكشف أن الصراع لا يدور فقط بين الدولة والسوق، بل داخل البنيات المهنية ذاتها.
فالتمثيل المهني ليس كتلة واحدة.
قد يكون داخله مربي صغير يبحث عن حماية كلفة الإنتاج، وفاعل متوسط يريد الاستمرار، ومجموعات أقوى تمتلك القدرة على التأثير والتوجيه، وتنظيمات قادرة على الاقتراب من القرار العمومي أكثر من غيرها.
من هنا، يصبح الدعم العمومي اختباراً لقدرة الدولة على التمييز بين الحاجة الاجتماعية والقدرة التنظيمية.
فليس كل من يملك صوتاً مهنياً قوياً هو الأكثر هشاشة.
وليس كل من يمثل قطاعاً واسعاً يعبر بالضرورة عن الحلقة الأضعف داخله.
ولذلك، حين تعتمد الدولة على الجمعيات والفيدراليات في تنزيل الدعم أو تأطير الاستفادة، فهي تحتاج إلى ضمانات دقيقة حتى لا تتحول الوساطة المهنية إلى امتياز مؤسساتي.
تطرح مجلة “ملفات” أيضاً مفارقة أساسية: إذا كانت الدولة تقول إن بعض مكونات القطيع في مستواها الطبيعي، فلماذا تستمر الحاجة إلى دعم واسع وممتد؟.
وإذا كان الدعم ضرورياً بسبب ضغط الأعلاف والجفاف وتراجع القطيع، فلماذا لا يظهر أثره بوضوح كافٍ في السعر النهائي للحوم؟.
هذا السؤال يعيد الحلقة الثامنة إلى جوهر السلسلة كلها.
المشكلة ليست في الدعم وحده، بل في المسار الذي يسلكه الدعم.
وليست في الجمعيات المهنية من حيث المبدأ، بل في حدود الشفافية والرقابة حين تصبح هذه الجمعيات جزءاً من هندسة السياسات العمومية.
إن ما تكشفه المجلة في هذا الباب هو أن أزمة اللحوم الحمراء لا يمكن اختزالها في ارتفاع كلفة العلف أو في نقص الاستيراد أو في ضعف العرض.
هناك أيضاً سؤال التمثيل.
من يمثل المربي؟.
من يتحدث باسم القطاع؟.
من يتلقى الدعم أو يساهم في توجيهه؟.
ومن يراقب القنوات التي تمر عبرها الامتيازات العمومية؟.
حين تغيب الأجوبة الواضحة، تتسع المسافة بين المال العمومي والنتيجة الاجتماعية.
وقد تجد الدولة نفسها تدعم، بينما يبقى المربي الصغير تحت الضغط، ويبقى المستهلك أمام سعر مرتفع، وتبقى الحلقات المنظمة أكثر قدرة على الاستفادة من قربها من مسارات القرار.
لذلك، تبدو هذه الحلقة من تحقيق مجلة “ملفات” ضرورية لفهم ما وراء السعر.
فاللحم لا يرتفع فقط بسبب الأعلاف.
ولا يتأثر فقط بالاستيراد.
ولا يتشكل فقط في المجزرة أو السوق الأسبوعي.
إنه يتأثر أيضاً بالبنية التي تنظم القطاع، وبمن يملك الصوت داخله، وبالجهات التي تعبر من خلالها السياسة العمومية نحو المنتجين.
وهنا يصبح السؤال عن الفيدراليات والجمعيات المهنية جزءاً من سؤال القدرة الشرائية، لا ملفاً إدارياً جانبياً.
فالمال العام حين يمر عبر قناة مهنية ينبغي أن يكون أثره قابلاً للتتبع.
والدعم حين يوجه إلى قطاع واسع ينبغي أن يصل إلى الحلقة الأضعف لا إلى الحلقة الأعلى تنظيماً فقط.
والتمثيل المهني حين يقترب من القرار العمومي ينبغي أن يخضع للمساءلة ذاتها التي يخضع لها أي وسيط بين الدولة والمواطن.
بهذا المعنى، لا تقدم مجلة “ملفات” هذه الحلقة كاتهام مباشر، بل كدعوة إلى تفكيك البنية التي تقف بين الدولة والسوق.
إنها تقول، في الجوهر، إن سؤال اللحوم الحمراء ليس سؤال أسعار فقط.
إنه سؤال تنظيم، وتمثيل، وقنوات دعم، وحكامة.
وحين تكون القنوات موضع سؤال، يصبح الدعم نفسه موضع سؤال.
