وضع تقرير صادر اليوم 8 يونيو 2026 عن موقع Kpler، المتخصص في تتبع تدفقات السلع والشحن البحري، سوق الكبريت وحمض الكبريتيك تحت مجهر أزمة عالمية صامتة، بعدما كشف عن ضغوط متزايدة على مواد أساسية في صناعة الأسمدة الفوسفاطية.
ورغم أن الأمر لا يتعلق بأزمة إنتاج معلنة داخل مجموعة OCP، فإن المعطيات التي أوردها التقرير تفتح نقاشاً اقتصادياً حساساً حول قدرة الصناعات الاستراتيجية على حماية سلاسل التوريد، وتدبير كلفة المدخلات الحيوية، في عالم باتت فيه المواد الصغيرة قادرة على التأثير في أكبر المعادلات الصناعية.
أهمية التقرير لا تكمن فقط في تتبع حركة مادة أولية داخل الأسواق الدولية، بل في كونه يضع المغرب، عبر مجموعة OCP ومنصة الجرف الأصفر، داخل معادلة دولية معقدة، حيث تتنافس صناعات النحاس والنيكل والأسمدة على نفس المادة الحيوية.
وهنا يصبح الكبريت، رغم صمته وبعده عن النقاش العمومي، جزءاً من سؤال أكبر حول السيادة الصناعية وكلفة التموضع في الأسواق العالمية.
حسب التقرير، فإن OCP، باعتباره فاعلاً عالمياً في سوق الفوسفاط، يعتمد في جزء من سلسلة إنتاج الأسمدة على الكبريت وحمض الكبريتيك.
والجرف الأصفر، بما يمثله من ثقل صناعي، ليس مجرد منصة إنتاج مغربية، بل واحد من المواقع الكبرى التي تستهلك هذه المادة على نطاق واسع.
المعطى الأبرز في تقرير Kpler أن آخر شحنة كبريت من منطقة الخليج MEG وصلت إلى الجرف الأصفر يوم 10 أبريل 2026 عبر السفينة Kallone، قبل أن يتجه OCP، حسب المصدر نفسه، إلى التزود من روسيا وخليج الولايات المتحدة بكلفة أعلى بشكل واضح.
وهذا لا يعني أن نشاط المجموعة مهدد مباشرة، ولا أن الأمر يتعلق بأزمة إنتاج معلنة، بقدر ما يكشف أن قوة الفوسفاط المغربي تظل مرتبطة، في جزء حساس من سلسلتها الصناعية، بمدخلات عالمية تتحكم فيها الأسعار، والممرات البحرية، وموازين العرض والطلب.
هنا بالضبط يبدأ السؤال الاقتصادي والسياسي. المغرب يملك الفوسفاط، ويملك منصة صناعية كبرى، ويملك خطاباً طموحاً حول السيادة الصناعية والغذائية.
لكن التقرير يذكّر بأن القوة لا تُقاس فقط بما يوجد تحت الأرض، بل أيضاً بما يصل عبر البحر، وبما تسمح به الممرات الدولية، وبما تفرضه الأسواق حين تضيق السلاسل وتشتد المنافسة.
الفوسفاط المغربي ورقة استراتيجية ثقيلة. هذا ثابت. لكن هذه الورقة، حين تحتاج إلى كبريت مستورد بكلفة أعلى، تفتح نقاشاً ضرورياً حول معنى السيادة الاقتصادية في زمن الأزمات.
هل تكفي الثروة الطبيعية وحدها؟ أم أن السيادة الحقيقية تبدأ من التحكم في المدخلات، والمخزون، والمسارات البديلة، وتدبير المخاطر قبل أن تتحول إلى فاتورة؟
لا يتعلق الأمر بإعلان أزمة، ولا بإطلاق حكم على OCP، ولا بتحويل تقرير تقني إلى صرخة سياسية مجانية. لكن المعطيات التي نشرها Kpler تضع ملفاً حساساً تحت المجهر: كيف تحمي السياسات العمومية والصناعة الوطنية القطاعات الاستراتيجية من ارتدادات الجغرافيا السياسية، ومن صدمات المواد الأولية، ومن لعبة الأسعار التي لا ترحم الدول التي تتحرك متأخرة؟
الأمر لا يخص OCP وحده. حين ترتفع كلفة الكبريت، فإن السؤال يمتد إلى الأسمدة، والفلاحة، والأمن الغذائي، وقدرة المغرب على الحفاظ على موقعه في سوق دولية لا تنتظر البلاغات الرسمية كي تعيد ترتيب موازينها.
الطريف، أو المؤلم سياسياً، أن مادة لا تظهر في الحملات الانتخابية ولا في خطابات الإنجاز قد تكون أقدر على كشف هشاشة بعض حلقات النموذج من عشرات الندوات.
الكبريت لا يصوّت، لكنه يضغط. لا يتكلم، لكنه يرفع الكلفة. ولا يظهر في الصور الرسمية، لكنه يدخل عميقاً في حسابات الفوسفاط.
لهذا يحتاج المغرب اليوم إلى نقاش اقتصادي أكثر جدية: ليس حول قوة OCP فقط، بل حول ما يحيط بهذه القوة من تبعيات خفية.
فالصناعة الاستراتيجية لا تُحمى بالشعارات، بل بسلاسل توريد ذكية، ومخزون يقظ، وقراءة مبكرة لما يحدث في المضائق والموانئ والأسواق.
الفوسفاط ثروة مغربية كبرى. لكن التقرير الجديد يذكّر بأن الثروة، مهما كانت كبيرة، قد تصبح تحت ضغط مادة صغيرة إذا لم تتحول السيادة الاقتصادية من خطاب جميل إلى هندسة يومية دقيقة.
وهنا تكمن المفارقة: قد نملك الصخرة، لكن العالم يسألنا عن الكبريت.
