ليست كل القصص السياسية تبدأ بخطاب رسمي أو قرار حكومي. أحياناً تبدأ بسؤال بسيط يتردد في الكواليس: كيف يمكن لمشاريع بمليارات الدراهم أن تتجاور في النقاش العمومي مع ملفات قضائية مثيرة للجدل؟
في السياسة المغربية، لا تصنع الأرقام وحدها العناوين.
أحياناً يكفي ملف عقاري مثير للجدل أو شكاية لم يُحسم فيها بعد ليحوّل مشاريع بمليارات الدراهم إلى سؤال سياسي كبير: كيف تُدار ميزانيات الجهات، ومن يضمن أن تظل التنمية بعيدة عن ظلال الشبهات؟ هذا السؤال يعود اليوم إلى الواجهة في جهة الرباط-سلا-القنيطرة، حيث يقدّم رئيس مجلس الجهة رشيد العبدي رواية تنموية قائمة على مشاريع واستثمارات مهمة، بينما يستمر في الخلفية نقاش سياسي وإعلامي حول ملفات عقارية ارتبط اسمه بها خلال السنوات الماضية.
ويؤكد مجلس الجهة أن المؤسسة الجهوية تعمل على إطلاق سلسلة من البرامج الاستثمارية الرامية إلى تأهيل البنيات التحتية وتعزيز الجاذبية الاقتصادية للمجال الترابي، خصوصاً في المناطق التي تأثرت بالفيضانات خلال السنوات الأخيرة.
وتندرج هذه المشاريع ضمن برامج تنموية أوسع تقوم على تعبئة ميزانيات واستثمارات عمومية تقدر بمليارات الدراهم، وهو ما يعكس الدور المتنامي الذي أصبحت تلعبه الجهات في تنزيل السياسات التنموية على المستوى الترابي.
كما يراهن المجلس على مجموعة من المبادرات الاقتصادية المرتبطة بتطوير مناطق صناعية جديدة ومواكبة الاستثمار العقاري وإطلاق برامج تستهدف دعم الشباب عبر التكوين والتأهيل المهني، في محاولة لتحريك الاقتصاد الجهوي وخلق فرص الشغل داخل عدد من الجماعات التابعة للجهة.
غير أن التجارب السياسية في تدبير الشأن الترابي أظهرت مراراً أن ضخ الاستثمارات العمومية، مهما بلغ حجمها، لا يعفي المسؤولين المنتخبين من اختبار دائم يتعلق بالشفافية وثقة الرأي العام. فالتنمية، في نظر كثير من المتابعين، لا تُقاس فقط بحجم المشاريع المعلنة، بل أيضاً بمدى وضوح الصورة المؤسساتية التي ترافقها.
ويكتسب هذا النقاش حساسيته في ظل الدور المتنامي الذي أصبحت تلعبه الجهات في تدبير المشاريع التنموية بعد توسيع صلاحياتها في إطار ورش الجهوية المتقدمة، حيث باتت هذه المؤسسات تدبر ميزانيات عمومية بمليارات الدراهم وتؤثر بشكل مباشر في مسار التنمية المحلية.
وفي هذا السياق، لا تغيب عن النقاش العمومي بعض الملفات العقارية التي سبق أن أثيرت في عدد من المنابر الإعلامية، والتي تحدثت عن شكايات مرتبطة بشبهات تزوير وثائق واستعمالها في نزاعات حول ملكية عقارات، وهي قضايا ارتبط فيها اسم رشيد العبدي خلال السنوات الماضية دون أن تصدر بشأنها أحكام قضائية نهائية تحسمها بشكل قاطع.
ورغم أن قرينة البراءة تبقى قاعدة أساسية في القانون، فإن استمرار تداول هذه الملفات في النقاش الإعلامي والسياسي يعيد طرح سؤال الحكامة والشفافية داخل المؤسسات المنتخبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تدبر ميزانيات عمومية ضخمة.
فكلما ارتفع حجم الأموال العمومية المرصودة للتنمية، ارتفع معها أيضاً مستوى التدقيق العمومي والاهتمام الإعلامي بطريقة تدبيرها.
وبين لغة المشاريع التي يقدّمها مجلس الجهة، والأسئلة التي يثيرها النقاش العمومي حول بعض الملفات المثيرة للجدل، يظل التحدي الحقيقي لأي تجربة تدبيرية هو القدرة على الجمع بين التنمية والثقة.
فالمشاريع قد تغيّر ملامح المدن والقرى، لكن وضوح الصورة أمام الرأي العام هو ما يمنح العمل العمومي شرعيته الكاملة في نظر المواطنين.
