أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي ملف الأخبار الزائفة إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما كشف عن توجه الحكومة نحو إدراج مقتضيات جنائية أكثر صرامة داخل مشروع القانون الجنائي الجديد، في خطوة تُقدَّم رسمياً باعتبارها حماية للمجتمع من التضليل، لكنها تفتح في المقابل سؤالاً حساساً حول حدود التجريم عندما يقترب من الصحافة ومواقع التواصل والنقد السياسي.
وجاءت تصريحات وهبي خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، رداً على سؤال حول الحماية الجنائية من الأخبار الزائفة، حيث اعتبر أن هذه الظاهرة تطرح اليوم إشكالات كبرى، محذراً من تداعياتها على الاستقرار الاجتماعي، وعلى الثقة في المؤسسات، وعلى سلامة العملية الديمقراطية.
وقال وزير العدل إن الإشكال لا يتوقف عند نشر الأخبار الكاذبة فقط، بل يمتد إلى ما وصفه بالاستعداد السريع لدى جزء من الرأي العام لتصديقها بمجرد تداولها عبر المنصات الرقمية. وهي إشارة تعكس أن مواقع التواصل لم تعد فضاءً هامشياً في نظر الدولة، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل المزاج العام، وفي إعادة ترتيب علاقة المواطن بالمعلومة والسلطة والمؤسسات.
وأوضح وهبي أن مسودة القانون الجنائي الجديد، التي قال إنها انتهت صياغتها وتأخر إخراجها بسبب ضيق الزمن التشريعي وحجمها الكبير الذي يتجاوز ألف فصل، تتضمن مقتضيات تخص الجرائم الإلكترونية، من بينها نشر الأخبار الزائفة، والتقاط صور الأشخاص دون إذنهم، وإدخال تعديلات تقنية عليها بما قد يمس بسمعتهم أو يضلل الرأي العام.
غير أن الجزء الأكثر حساسية في مداخلة وزير العدل كان مرتبطاً بالصحافة.
فقد أثار وهبي إشكالية الصحافي الذي ينشر معطيات غير صحيحة، ثم يستند إلى قانون الصحافة والنشر، باعتباره قانوناً لا يتضمن عقوبات سالبة للحرية. ودعا، بهذا المعنى، إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع مثل هذه الحالات، معتبراً أن الصحافة مهنة أخلاقية ومقدسة، وأن ممارستها تفرض التحقق من صحة المعلومة قبل تقديمها للعموم.
هذا التصريح يفتح نقاشاً دقيقاً.
فلا أحد يجادل في ضرورة مواجهة الفبركة والتشهير والتلاعب بالصور والمعطيات، ولا أحد يمكنه الدفاع عن حملات التضليل التي تستهدف الأشخاص أو المؤسسات أو الثقة العامة. غير أن السؤال الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الدولة من محاربة الكذب المتعمد إلى إعادة فتح النقاش حول العقوبات الجنائية في مجال الصحافة.
من سيحدد أن هذا الخبر زائف؟
هل هو القضاء المستقل وحده، أم السياسي المتضرر، أم الإدارة، أم المؤسسة التي قد تعتبر النقد مساساً بصورتها؟
وهل سيتم التفريق بين الصحافي الذي أخطأ بحسن نية، والحساب المجهول الذي يفبرك خبراً، والمواطن الذي طرح سؤالاً، والجهة المنظمة التي تنشر محتوى مضللاً بقصد التأثير على الرأي العام؟
هنا تكمن خطورة النصوص الفضفاضة.
فالخبر الزائف خطر حقيقي، لكن تحويل كل خطأ أو نقد أو سؤال إلى شبهة جنائية قد ينتج خطراً آخر لا يقل حساسية: تخويف الصحافة، وتبريد النقاش العمومي، ودفع المواطنين إلى الصمت في لحظة يحتاج فيها المجتمع إلى الشفافية والمراقبة لا إلى الخوف.
ولم يأت كلام وهبي في فراغ.
فوزارة الداخلية سبق أن دفعت، في سياق تعديل القوانين الانتخابية، نحو إدراج مقتضيات زجرية جديدة ضمن القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، من خلال المادة 51 المكررة، التي ترتبط بنشر أو صناعة محتوى كاذب أو مزيف عبر وسائل رقمية أو باستعمال تقنيات حديثة، متى كان الهدف هو المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية.
هذه الخلفية تجعل تصريح وزير العدل جزءاً من توجه أوسع.
وزارة الداخلية دفعت نحو مقتضيات انتخابية زجرية تتضمن عقوبات قد تصل إلى الحبس في حالات محددة مرتبطة بالمساس بنزاهة العمليات الانتخابية.
ووزارة العدل تفتح باب القانون الجنائي في وجه الأخبار الزائفة.
وبين النصين، يظهر سؤال كبير: هل نحن أمام حماية ضرورية للمجتمع والمؤسسات، أم أمام تشييد جدار قانوني جديد حول المجال العام؟
المفارقة أن وهبي نفسه حمّل جزءاً من المسؤولية للفاعل السياسي، حين أشار إلى أن إغلاق أبواب التواصل أمام الصحافيين يدفع إلى خلق فراغ تملؤه الأخبار غير الدقيقة، بينما فتح أبواب الحوار والنقاش يساعد الصحافة على نشر المعطيات الثابتة.
وهذه النقطة بالذات هي جوهر القضية.
فالدولة لا تستطيع أن تطالب الصحافة بالدقة، ثم تتركها بلا معلومة.
ولا تستطيع أن تطالب المواطن بعدم تصديق الإشاعة، ثم تترك المؤسسات تتأخر في التوضيح.
ولا يمكن أن تطلب من المجتمع محاربة الأخبار الزائفة، بينما تظل المعطيات العمومية مغلقة أو بطيئة أو انتقائية.
حين يصمت المسؤول، يتكلم الهاتف.
وحين يتأخر البلاغ، تسبق الصفحة المجهولة.
وحين تغيب المعلومة الرسمية، تتحول الإشاعة إلى بديل سهل وسريع.
تجارب أوروبا تقدم درساً مهماً في هذا الباب.
فالاتحاد الأوروبي، الذي يواجه بدوره حملات تضليل رقمية مرتبطة بالأزمات والتدخلات الخارجية، لم يجعل الصحافي أو المواطن الحلقة الأضعف في المواجهة، بل اتجه إلى تحميل المنصات الرقمية الكبرى مسؤولية أكبر، من خلال الشفافية في الإعلانات السياسية، ومراقبة الخوارزميات، والتعاون مع المدققين والباحثين، وتقليص المخاطر التي قد تهدد الثقة العامة.
وفرنسا، بدورها، اعتمدت قانوناً لمواجهة التلاعب بالمعلومة في الفترات الانتخابية، لكنها جعلت النقاش مرتبطاً بزمن محدد وبمسطرة قضائية، ومع ذلك ظل القانون محل جدل واسع بسبب التخوف من المساس بحرية التعبير.
أما الدرس الأهم، فهو أن محاربة التضليل لا تعني توسيع الخوف.
تعني تقوية الصحافة المهنية، وفتح المعلومة، وتنظيم المنصات، وكشف الإشهار السياسي الممول، وتمكين المواطن من الخبر الصحيح قبل أن تسبقه الإشاعة.
المغرب يحتاج إلى هذا التوازن.
نعم، يجب معاقبة الفبركة، والتزوير، والتشهير، واستعمال الذكاء الاصطناعي لضرب الأشخاص أو المؤسسات.
لكن لا يجب أن يتحول القانون إلى سيف معلق فوق رقبة كل صحافي أو مواطن أو ناشط.
ولا يجب أن يصبح مفهوم “الخبر الزائف” مدخلاً سهلاً لتجريم الخبر المزعج.
ولا ينبغي أن تختلط حماية المجتمع بحماية بعض السياسيين من المحاسبة.
فالدولة القوية لا تخاف من السؤال.
والمؤسسات الواثقة لا تعتبر مواقع التواصل عدواً، بل تعتبرها مرآة تحتاج أحياناً إلى التصحيح، لا إلى الكسر.
تصريح وهبي يضع المغرب أمام معادلة دقيقة: كيف نحمي المجتمع من التضليل دون أن نخنق النفس الديمقراطي نفسه؟
الجواب لا يوجد في القانون الجنائي وحده.
يوجد في القضاء المستقل، وفي النصوص الواضحة، وفي الإعلام المهني، وفي الحق في الوصول إلى المعلومة، وفي مؤسسات تتواصل بسرعة وشفافية، بدل أن تترك الفراغ يصنع الإشاعة ثم تعاقب المجتمع على تصديقها.
الأخبار الزائفة خطر حقيقي.
لكن الأخطر منها أن يتحول اتهام “الخبر الزائف” إلى تهمة جاهزة قد تُستعمل ضد الأخبار المزعجة أو النقد الذي يربك بعض السياسيين.
وحين يصبح الهاتف الصغير في يد المواطن مصدر قلق أكبر من السؤال الديمقراطي نفسه، فالمشكل لا يكون في التكنولوجيا وحدها.
المشكل يكون في مقاربة سياسية قد لا تحتمل دائماً أن تُرى من خارج المنصة الرسمية.
