فتحت ورقة عمل حديثة صادرة عن صندوق النقد الدولي نقاشاً دقيقاً حول طريقة قراءة الاقتصاد المغربي، ليس من بوابة الأرقام التقليدية وحدها، بل من نافذة جديدة تراقب الفلاحة من السماء، والسياحة من حركة الطائرات، والبطالة من أثر البحث عن العمل في محركات الإنترنت.
الوثيقة، الصادرة في يونيو 2026 تحت عنوان “استعمال البيانات غير التقليدية في التقدير الآني للمؤشرات الاقتصادية: حالة المغرب”، لا تقدم حكماً سياسياً مباشراً، ولا تضع الحكومة في قفص الاتهام، لكنها تضع السياسات العمومية أمام امتحان هادئ وصارم: كيف يمكن تدبير اقتصاد سريع التحول بأرقام تصل متأخرة؟.
الفكرة المركزية في الورقة بسيطة في ظاهرها، ثقيلة في معناها. القرار العمومي يحتاج إلى معطيات موثوقة وفي الوقت المناسب. وحين تتأخر الإحصاءات الرسمية، تجد الدولة نفسها أحياناً أمام اقتصاد يتحرك بسرعة، بينما لوحة القيادة لا تصلها الإشارة إلا بعد نهاية المنعطف.
تقترح الورقة الاعتماد على مصادر غير تقليدية، من بينها صور الأقمار الصناعية، وبيانات Google Trends، ومعلومات تتبع الرحلات الجوية، من أجل استكمال الصورة التي توفرها الإحصاءات الرسمية. والغاية هنا ليست تعويض المؤسسات الوطنية المنتجة للأرقام، بل تقوية قدرتها على قراءة الواقع قبل أن يتحول إلى أرشيف.
هنا تصبح الفلاحة أكثر من بلاغ موسمي عن التساقطات. فصور الأقمار الصناعية تستطيع التقاط مؤشرات الغطاء النباتي، وحالة التربة، والضغط المناخي، ومستوى الرطوبة والحرارة، بما يسمح ببناء تقديرات مبكرة حول القيمة المضافة الفلاحية. وحين تكون الفلاحة قطاعاً شديد الحساسية للجفاف والتقلبات المناخية، يصبح الانتظار الطويل ترفاً لا يملكه الفلاح، ولا السوق، ولا الحكومة.
وفي السياحة، تفتح الورقة زاوية أكثر إثارة. حركة الطائرات، وطاقة المقاعد، والبحث عن وجهات المغرب عبر الإنترنت، يمكن أن تعطي إشارات مبكرة حول حجم النشاط السياحي قبل صدور الأرقام الرسمية. وهذا مهم في بلد يستعد لمواعيد كبرى، من كأس إفريقيا إلى كأس العالم، حيث لا تكفي الصور الجميلة للمطارات والفنادق إذا لم تكن الدولة قادرة على قياس النبض الاقتصادي في وقته.
أما البطالة، فهي الجزء الأكثر حساسية سياسياً واجتماعياً. ورقة صندوق النقد الدولي تشير إلى إمكانية استعمال مؤشرات البحث عن العمل في Google Trends، بلغات مختلفة، لرصد إشارات مبكرة حول وضع سوق الشغل. وهنا يظهر السؤال الذي يفتح شهية التأويل السياسي: هل تستطيع الدولة أن تسمع قلق الباحثين عن العمل من خلال الأرقام الرقمية، قبل أن تسمعه في الشارع؟.
الخطير في هذا النقاش ليس أن صندوق النقد يقترح أدوات تقنية جديدة. الأخطر أن الاقتصاد نفسه صار ينتج إشاراته بسرعة أكبر من سرعة الإدارة في إعلانها. المواطن يبحث عن عمل اليوم، والسائح يحجز اليوم، والموسم الفلاحي يتغير اليوم، بينما بعض الأرقام لا تصل إلى النقاش العمومي إلا بعد أن تبرد حرارتها السياسية والاجتماعية.
هذا لا يعني التقليل من قيمة الإحصاءات الرسمية. بل العكس تماماً. قوة الدولة الحديثة لا تقاس فقط بامتلاك المؤسسات، بل بقدرتها على جعل هذه المؤسسات أسرع، أذكى، وأكثر انفتاحاً على مصادر معطيات جديدة. فالإحصاء الذي يصل متأخراً قد يكون دقيقاً، لكنه أحياناً يصل بعد أن يكون القرار قد اتُّخذ، والأزمة قد اتسعت، والمواطن قد فقد الثقة في لغة الأرقام.
الزاوية السياسية هنا واضحة. المغرب يراهن على نموذج تنموي، وعلى استثمارات كبرى، وعلى مواعيد دولية ضخمة، وعلى تقليص البطالة في أفق 2030. لكن هذه الطموحات تحتاج إلى دولة تقيس الواقع لحظة بلحظة، لا إلى آلة إدارية تنتظر نهاية الدورة كي تكتشف أن المؤشر كان يصرخ منذ البداية.
ورقة صندوق النقد لا تدين أحداً، كما أن أوراق العمل الصادرة عنه تبقى أبحاثاً للنقاش ولا تعبّر بالضرورة عن موقف رسمي نهائي لإدارة الصندوق. لكنها، مع ذلك، تطرح سؤالاً مزعجاً بأناقة تقنية: إذا كانت الأقمار الصناعية ترى وضع الفلاحة، ومحركات البحث تلتقط قلق العاطلين، وحركة الطائرات تقيس حرارة السياحة، فهل تملك الحكومة الجرأة على بناء سياسة عمومية تسمع هذه الإشارات قبل أن تتحول إلى أزمات؟.
البيانات غير التقليدية ليست لعبة خبراء، ولا زينة رقمية في عرض PowerPoint. إنها مرآة جديدة للاقتصاد. والمرآة، كما يعرف الجميع، لا تصنع التجاعيد. هي فقط تمنع المسؤول من الادعاء بأنه لم يرها.
