عاد ملف النفايات الأوروبية الموجهة إلى المغرب، اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026، إلى واجهة النقاش البيئي والسياسي، بعد تحقيق دولي جديد أعاد طرح أسئلة قديمة بحدة أكبر حول طبيعة المواد المستوردة، ومسارات استعمالها، وحدود الشفافية المحيطة بهذا القطاع الحساس.
فالملف لا يتعلق فقط بأرقام تجارية أو تراخيص إدارية، بل بسؤال أعمق يمس السيادة البيئية وحق المواطن في المعلومة: كيف يمكن التوفيق بين خطاب الاقتصاد الدائري والانتقال الأخضر، وبين مخاوف مشروعة من أن يتحول المغرب إلى فضاء منخفض الكلفة لمعالجة جزء من النفايات الأوروبية؟.
تحقيق دولي نشرته منصة Untold Mag، اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026، تحت عنوان “Toxic Trade: How Europe Exports Its Waste to Morocco and Calls It Recycling”، أعاد فتح النقاش حول شحن كميات كبيرة من المواد المصنفة قابلة لإعادة التدوير من أوروبا نحو المغرب، ضمن مسارات قانونية تقدم نفسها باسم الاقتصاد الدائري، لكنها تترك خلفها سؤالاً لا يهدأ: من يربح من هذا التدوير؟ ومن يدفع كلفته في الهواء والصحة والمجال؟.
المعطيات المتداولة تتحدث عن 416 ترخيصاً لاستيراد نفايات غير خطرة منذ سنة 2016، تشمل مواد مثل الإطارات، والنسيج، والبلاستيك، ومخلفات صناعية موجهة للتثمين أو للاستعمال كوقود بديل في بعض الصناعات، خاصة أفران الإسمنت.
كما تشير الأرقام إلى أن واردات المغرب من المواد الأولية القابلة لإعادة التدوير القادمة من الاتحاد الأوروبي بلغت 821.500 طن سنة 2024، وهو رقم لا يمكن التعامل معه كأنه تفصيل إداري عابر. لأن الأطنان، حين تدخل المجال العام، لا تبقى بريئة. تتحول إلى سياسة. وتتحول السياسة، حين تغيب الشفافية، إلى دخان.
المشكل ليس في إعادة التدوير من حيث المبدأ. ولا في الاقتصاد الأخضر حين يكون فعلاً أخضر. العالم كله يتجه نحو تثمين النفايات وتحويلها إلى موارد. لكن الفرق كبير بين اقتصاد دائري واضح، وبين عبور مريح للنفايات تحت جواز سفر لغوي اسمه “مواد قابلة لإعادة التدوير”.
هنا يبدأ السؤال المغربي.
من يستورد؟ ماذا يستورد؟ أين تُعالج هذه المواد؟ من يراقب؟ هل توجد قياسات منشورة لجودة الهواء قرب مواقع الحرق والمعالجة؟ هل تُنشر تقارير افتحاص دورية؟ هل يعرف السكان القريبون من هذه المنشآت ماذا يمر بجانبهم وفوق رؤوسهم؟.
البيئة لا تدار بالطمأنة. والصحة لا تُحمى بالبلاغات. والسيادة لا تكتمل حين تعرف الدولة عدد الأطنان، ولا يعرف المواطن كلفتها على الأرض والهواء والجسد.
الأخضر، حين يدخل أفران الإسمنت، لا يكفي أن يحتفظ بلونه في الخطاب الرسمي. يحتاج إلى أرقام مفتوحة، ولوائح واضحة، ومراقبة صارمة، وحق عمومي في المعرفة. أما عبارة “كل شيء تحت السيطرة”، فقد صارت في السياسة مثل لافتة جميلة أمام باب مغلق.
التحقيق يضع المفارقة في مكانها الحساس. أوروبا تشدد قوانينها البيئية، وتبيع للعالم صورة القارة النظيفة، وترفع شعارات المناخ، لكنها تبحث عن هوامش أقل كلفة خارج حدودها. وحين يصبح التخلص من النفايات مكلفاً في الشمال، يصبح الجنوب أحياناً جزءاً من الحل. لا لأنه شارك في كتابة القاعدة، بل لأنه يستقبل جزءاً من الكلفة.
وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة المغرب لأنه يستورد مواد قابلة للتثمين. بل بالسؤال الأهم: هل يملك المغرب ما يكفي من الشفافية والصرامة كي لا يتحول الاقتصاد الدائري إلى باب خلفي لتدوير الكلفة الأوروبية داخل مجاله الترابي؟.
المغرب يسوق نفسه اليوم كمنصة صناعية خضراء، وكفاعل صاعد في الطاقات النظيفة والهيدروجين الأخضر والانتقال الطاقي. وهذه صورة استراتيجية مهمة. لكنها لا يمكن أن تقف على قدمين إذا ظل ملف النفايات محاطاً بالغموض، بين تراخيص إدارية، ومداخن صناعية، وسكان لا يجدون جواباً واضحاً عما يحدث قرب بيوتهم.
المطلوب ليس إغلاق الباب أمام التدوير. المطلوب أن لا يُفتح الباب للنفايات وتُغلق معه نافذة المعلومة.
المطلوب لائحة التراخيص. أسماء الشركات المستوردة. طبيعة المواد. وجهة الاستعمال. مواقع المعالجة. نتائج المراقبة. تقارير الهواء. والآثار البيئية المحتملة.
هذه ليست رفاهية. هذه هي الدولة حين تحترم مواطنيها.
لذلك، فالسؤال لم يعد تقنياً فقط. لم يعد متعلقاً بكمية دخلت، أو بشحنة مرت، أو بترخيص وُقّع.
السؤال صار سياسياً بامتياز:
هل نحن أمام تدوير للنفايات، أم تدوير للكلفة الأوروبية فوق التراب المغربي؟.
بين أوروبا التي تنظف دفاترها، والمغرب الذي يبحث عن موقع داخل الاقتصاد الأخضر، توجد منطقة رمادية تحتاج إلى ضوء رسمي. لأن البيئة لا تنتظر نهاية الاجتماعات. والصحة لا تعرف لغة العلاقات العامة. والسيادة لا تقاس بما نستقبله من الخارج، بل بما نملكه من قدرة على السؤال والمراقبة والمحاسبة.
أما حين يصبح الدخان وحده هو من يشرح للناس الحقيقة، فذلك يعني أن البلاغ تأخر كثيراً.
