لم يعد كافياً أن ننتظر زخات مطر موسمية لتمتلئ السدود ونوهم أنفسنا بأن الأزمة انتهت.
ففرحة المغاربة بمشاهد ارتفاع حقينة السدود أو بلوغها نسب ملء مشجعة هذا العام قد تكون في الواقع مجرد لحظة اطمئنان مؤقتة تحجب رؤية أزمة أعمق.
فوفق تقرير حديث صادر عن معهد المياه والبيئة والصحة التابع لجامعة الأمم المتحدة لسنة 2026، دخل عدد من مناطق العالم، من بينها المغرب، ما يسميه الباحثون مرحلة “الإفلاس المائي”؛ وهي وضعية لا ترتبط فقط بتقلبات مناخية عابرة أو بتأخر التساقطات، بل تشير إلى استنزاف طويل الأمد للموارد المائية يفوق قدرة الطبيعة على تعويضه.
بمعنى آخر، قد تمتلئ السدود على السطح، لكن الخزان الحقيقي للمياه في المغرب أي الفرشات المائية الجوفية يواصل التراجع بصمت.
هذه الموارد الاستراتيجية التي تشكل احتياطياً طبيعياً لمواجهة سنوات الجفاف، يتم استغلالها اليوم بوتيرة أسرع بكثير من قدرتها على التجدد، وهو ما يجعل بضعة مواسم مطيرة غير كافية لتعويض سنوات طويلة من الضخ المكثف.
ويضع التقرير الأممي المغرب ضمن المناطق ذات المخاطر المائية المرتفعة جداً، ليس فقط بسبب توالي سنوات الجفاف المرتبطة بالتغير المناخي، بل أيضاً نتيجة الضغط المتزايد على الموارد المائية، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يستهلك ما يفوق 80 في المائة من المياه المتاحة في البلاد.
هنا يتحول النقاش من مجرد أزمة مطر إلى سؤال أعمق حول كيفية إدارة هذه الموارد المحدودة في بلد يعيش أصلاً تحت عتبة الفقر المائي.
وتتجلى المفارقة بوضوح في بعض المناطق الفلاحية الكبرى، حيث أدى توسع الزراعات المسقية إلى ضغط متزايد على الفرشات المائية. فمناطق مثل سوس وسايس شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في مستويات المياه الجوفية نتيجة الضخ المكثف لتأمين حاجيات الفلاحة، خصوصاً في الزراعات الموجهة للتصدير.
وفي هذا السياق، يطرح عدد من الخبراء تساؤلات حول أثر السياسات الزراعية التي ركزت خلال السنوات الماضية على توسيع الإنتاج الفلاحي الموجه للأسواق الخارجية.
فقد نجح المغرب بالفعل في تطوير قطاع فلاحي تصديري قوي، خاصة في مجالات الخضر والفواكه، غير أن هذا النجاح الاقتصادي يفتح في المقابل نقاشاً متزايداً حول كلفته المائية في بلد يعاني أصلاً من ندرة الموارد.
وتشير بعض الدراسات إلى ما يعرف في الاقتصاد البيئي بمفهوم “المياه الافتراضية”؛ أي أن تصدير المنتجات الزراعية لا يعني فقط تصدير الطماطم أو الفواكه، بل يعني أيضاً تصدير كميات كبيرة من المياه التي استُخدمت في إنتاجها.
ومن هذا المنظور، يتحول النقاش حول الصادرات الفلاحية إلى نقاش أوسع حول التوازن بين العائد الاقتصادي من جهة، وكلفة استنزاف الموارد الطبيعية من جهة أخرى.
ولا تقتصر التحديات على الكمية فقط، بل تمتد أيضاً إلى طريقة توزيع الموارد المائية.
ففي الوقت الذي تُفرض فيه إجراءات لتقنين استهلاك المياه في بعض المدن، وتواجه بعض القرى صعوبات في تأمين مياه الشرب بشكل منتظم، تستمر ضيعات فلاحية كبرى في استغلال الفرشات المائية العميقة لتأمين حاجيات الإنتاج الزراعي، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول عدالة توزيع الموارد المائية بين مختلف الاستعمالات.
وفي مواجهة هذه التحديات، تراهن الدولة في السنوات الأخيرة على عدد من المشاريع الكبرى، من بينها بناء محطات لتحلية مياه البحر وإطلاق مشاريع لنقل المياه بين الأحواض المائية.
ورغم أهمية هذه الحلول التقنية في تخفيف الضغط على الموارد التقليدية، فإن عدداً من الخبراء يؤكدون أن الحل التقني وحده لا يكفي إذا لم يرافقه تحول في طريقة إدارة الطلب على المياه، خصوصاً في القطاع الفلاحي.
فالقضية في النهاية ليست فقط قضية سدود أو تحلية مياه، بل قضية نموذج إدارة للموارد في بلد يعيش على تخوم الندرة المائية.
وبين تحذيرات التقارير الدولية والواقع الميداني، تتقدم قضية الماء اليوم إلى صدارة النقاش العمومي باعتبارها مسألة تتجاوز الزراعة والبيئة لتلامس جوهر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فالماء لم يعد مجرد مورد طبيعي عادي، بل أصبح أحد أهم عناصر الأمن الاستراتيجي للدولة.
لذلك فإن كيفية إدارة هذه الثروة المحدودة ستحدد إلى حد كبير ملامح التنمية في المغرب خلال العقود المقبلة: إما إعادة ترتيب أولويات استعمال الماء بما يضمن حق المغاربة في هذا المورد الحيوي، أو الاستمرار في استنزاف “الرأسمال المائي” إلى أن يتحول التحذير من الإفلاس المائي إلى واقع يصعب تداركه.
