بينما تئن الشغيلة المغربية تحت وطأة غلاء يلتهم الأخضر واليابس، وتتآكل القدرة الشرائية بفعل تضخم غير مسبوق، يعود ملف تمويل النقابات ليعيد طرح أسئلة قديمة حول علاقة بعض المركزيات بالمال العام.
التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات لم يكن مجرد جرد للأرقام، بل كشف أن قضاة المجلس واجهوا صعوبة في تتبع كيفية صرف جزء من الدعم العمومي الموجه للنقابات؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه العامل دعماً حقيقياً يحمي حقوقه، وجد القضاة أنفسهم أمام معطيات غير مكتملة تجعل مسار هذه الأموال أقل وضوحاً.
الواقع الذي كشفت عنه جريدة «الأخبار» يطرح أكثر من علامة استفهام؛ فنحن لا نتحدث فقط عن 12 مليون درهم كدعم مباشر، بل عن منظومة تمويل تتجاوز 27 مليون درهم سنوياً عند احتساب إعانات رئاسة الحكومة.
وهو رقم يظل بدوره جزئياً إذا ما أضفنا أشكال الدعم غير المباشر، مثل تدبير المقرات النقابية أو ما يعرف بـ التفرغ النقابي، الذي يمنح لبعض الأطر إمكانية التفرغ للعمل النقابي مع استمرار استفادتهم من أجورهم في الإدارات أو المؤسسات العمومية.
وهو مبلغ قد يبدو محدوداً داخل ميزانية الدولة، لكنه يكتسب حساسية خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات يفترض أن تمثل صوت الشغيلة وأن تدافع عن حقوقها في مواجهة الهشاشة الاجتماعية، ما يجعل مسألة الشفافية في تدبير هذا الدعم مسألة ثقة قبل أن تكون مجرد أرقام في التقارير.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف تُصرف هذه الموارد العمومية؟ فالنقابات التي تطالب في خطابها بالشفافية والديمقراطية مطالبة بدورها بتقديم معطيات واضحة حول أوجه صرف الدعم الذي تستفيد منه من المال العام.
غياب تقارير مالية مفصلة لا يعني بالضرورة وجود اختلالات، لكنه يطرح إشكالاً حقيقياً يتعلق بضعف آليات التتبع والتقييم، وهو ما يجعل النقاش حول هذا الملف أكثر إلحاحاً.
ويرى عدد من المتابعين أن هذا الوضع قد يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة التمويل العمومي للنقابات في المغرب، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات يفترض أن تلعب دور الوسيط بين الدولة والشغيلة.
فالدعم العمومي يهدف أساساً إلى تعزيز الحوار الاجتماعي وتقوية التمثيلية النقابية، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطاً بمدى وضوح طرق تدبير هذه الموارد ومدى انعكاسها فعلياً على الدفاع عن حقوق العمال.
وفي الوقت الذي تستفيد فيه المركزيات النقابية من هذا الدعم، يعيش جزء من الشغيلة واقعاً صعباً يتمثل في عقود عمل هشة، وضغوط متزايدة على القدرة الشرائية، وتحديات يومية داخل سوق العمل.
هذا التباعد بين الخطاب النقابي والواقع الاجتماعي يجعل بعض العمال يتساءلون عن مدى قدرة النقابات على لعب دورها التقليدي في حماية حقوقهم والدفاع عن مصالحهم.
إن النقاش الذي أعاده تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى الواجهة لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بسؤال أعمق حول الشفافية والمسؤولية داخل العمل النقابي.
فحين يتعلق الأمر بالمال العام، يصبح من الطبيعي أن تُطرح أسئلة حول طرق صرفه وأثره الفعلي. وربما يكون هذا النقاش فرصة لإعادة التفكير في آليات تمويل النقابات وتعزيز قواعد الشفافية داخلها، بما يعيد بناء الثقة بينها وبين الشغيلة التي تنتظر منها أكثر من مجرد حضور في بيانات الحوار الاجتماعي.
