بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد السؤال اليوم في المغرب هو “متى تنخفض الأسعار؟”، بل أصبح الأكثر إلحاحاً: “من المستفيد من بقائها مرتفعة؟”.
فخلف واجهة الأرقام الماكرو-اقتصادية التي تتباهى بالصمود، تتشكل ملامح واقع جديد تُصاغ قواعده في الغرف المغلقة، حيث يتحول “الغلاء” من عارض ظرفي إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات الاجتماعية.
في هذا السياق، لم يأت تحذير الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب من فراغ، حين دق ناقوس الخطر بشأن ما وصفه بـ”التدهور المتواصل” في القدرة الشرائية للأجراء والطبقات المتوسطة والهشة، محمّلاً المسؤولية لارتفاع غير مبرر في أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وعجز السياسات الحكومية
بحسب تعبيره عن تقديم حلول واقعية لمعالجة الاختلالات البنيوية التي يعرفها الاقتصاد الوطني.
هذا التشخيص النقابي، وإن بدا في ظاهره مطلبياً، إلا أنه يلتقي مع قراءة أعمق ترى أن ما يحدث يتجاوز مجرد موجة تضخمية عابرة.
إن المفارقة الصارخة تكمن في تلك الهوة التي تتسع باستمرار؛ فحين تتحدث التقارير الرسمية عن “انتعاش سياحي” و”صادرات قياسية”، وتُقابلها على الأرض صعوبات يومية متزايدة في تدبير المعيشة، فنحن لسنا أمام “تضخم مستورد” فقط، بل أمام خلل في قنوات توزيع ثمار النمو.
وهو ما عبرت عنه النقابة أيضاً بتسجيلها تفاقم البطالة وإغلاق عدد من المقاولات الصغرى والمتوسطة، في ظل ما اعتبرته هيمنة للاحتكار واستفادة غير متكافئة من الصفقات العمومية، بما يعمق الإحساس بعدم العدالة في توزيع الفرص.
وفي ملف المحروقات، يبدو الصمت هو سيد الموقف.
فرغم وجود مؤسسات الحكامة، يظل النقاش حول هوامش الربح معلقاً دون حسم واضح.
وقد ذهبت النقابة أبعد من ذلك حين دعت إلى تدخل حازم لتسقيف الأسعار وتفعيل دور مجلس المنافسة بصلاحيات زجرية، بدل الاكتفاء بالتشخيص، في إشارة إلى أن السوق، في صيغته الحالية، قد لا يعكس بالضرورة منطق المنافسة بقدر ما يعكس توازنات قوى معقدة.
ولا يقف الأمر عند السوق، بل يمتد إلى المنظومة الجبائية، حيث يتجدد الجدل حول ما تعتبره الشغيلة عبئاً غير متكافئ.
فبينما يؤدي الأجير الضريبة بشكل مباشر، تتصاعد الدعوات كما عبرت عنها النقابة إلى مراجعة الضريبة على الدخل وإقرار آليات أكثر إنصافاً، من بينها فرض ضرائب على الثروة والأرباح الاستثنائية.
وهو نقاش يعيد طرح سؤال العدالة الضريبية ليس فقط كأداة مالية، بل كاختيار سياسي يحدد من يتحمل كلفة التوازنات الاقتصادية.
في المقابل، يتخذ ملف الحوار الاجتماعي بعداً لا يقل أهمية، حيث سجل الاتحاد تراجعاً في منسوب التشاركية وتأخراً في تنفيذ الالتزامات، محذراً من أن استمرار هذا الوضع يضعف الثقة في المؤسسات ويغذي الإحساس بالإجحاف لدى فئات واسعة.
وهي إشارات، في عمقها، تعكس توتراً صامتاً قد لا تظهر ملامحه كاملة في المؤشرات، لكنه يتراكم في الواقع اليومي.
أما في ما يتعلق بإصلاح التقاعد، فقد جددت النقابة رفضها لما وصفته بـ”المقاربات المحاسباتية” التي تقوم على رفع سن التقاعد وزيادة المساهمات، معتبرة أن تحميل الأجراء كلفة اختلالات تاريخية لا يمكن أن يشكل حلاً مستداماً، في غياب رؤية شمولية تدمج مصادر تمويل بديلة أكثر عدالة.
إن ما يلوح في الأفق اليوم ليس مجرد أزمة أرقام، بل تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع.
فحين يتقاطع خطاب رسمي يتحدث عن الصمود، مع خطاب اجتماعي يحذر من التآكل، نكون أمام مفترق طرق حقيقي بين اقتصاد يكتفي بالأرقام، وآخر يُقاس بقدرة الناس على العيش بكرامة.
لماذا تستمر الأسعار في الارتفاع… ولصالح من تُعاد صياغة هذه الكلفة؟
